البحث في القسم :  

 الرئيسية || المكتبة || الإستفتاءات || سجل الزوار || راسلنا


  ||    حياة المحقق البحراني الشيخ يوسف (المقدمة الفاخرة ج 1 )   ||    حياة المحقق البحراني الشيخ يوسف (المقدمة الفاخرة ج 2)   ||    مفارقةٌ بين مُعَمّمٍ عصريٍّ ومدنيٍّ نصِّيٍّ   ||    أزمة الاستفزازات الايرانية حول البحرين ودعوة لحلها   ||    الشيخ محسن ال عصفور : نضـع أيديـنا بيد جـــلالة المــلك من أجـل مـدونـة أحــكام شخــصية شرعية بضــمانات شــرعية   ||    الشيخ محسن آل عصفور: الشرع لا يخضع للاقتراع أو الاستفتاء و30 ثغرة في القانون   ||    لأول مرة ... كنوز تراث علماء البحرين تحت سقف واحد في مجمع البحوث العلمية   ||    علماء دين‮: »‬أحكام الأسرة‮« ‬قضية توافقية‮.. ‬والاختيار للأفضل   ||    عبدالله بن خالد‮ ‬يثمن كنوز التراث الإسلامي‮ ‬لآل عصفور‮ ‬   ||    العصفور : نبذ العنف والحوارالطريق الأجدى لخير الوطن






موقع سماحة الشيخ محسن آل عصفور / حياة المحقق البحراني الشيخ يوسف (المقدمة الفاخرة ج 1 )

 حياة المحقق البحراني الشيخ يوسف (المقدمة الفاخرة ج 1 ) 

القسم : كتب في تراجم العلماء   ||   التاريخ : 2009 / 09 / 08   ||   القرّاء : 2573

 

دراسة تحليلية عن حياة المحقق البحراني صاحب الحدائق الناضرة

 

 

 

الشيخ يوسف العصفوري البحراني

 

ومنهجه العلمي

 

 

 

 

 

الجزء الأول

 

 

 

 

تأليف

الشيخ محسن آل عصفور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(بصائر الدرجات)

عن ابن معروف عن حماد بن عيسى عن أبي الجارود عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم  ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: "اللهم لقني إخواني" مرتين فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا إنكم أصحابي وإخواني قوم في آخر الزمان آمنوا ولم يرون لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم لأحدهم أشد بقية على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء أو كالقابض على جمر الغضا أولئك مصابيح الدجى ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة. (الحديث)

(نقلا عن البحار ج52 ص123- 124)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

استفتاح

"سبحانك ما أضيق الطرق على من لم تكن دليله وما أوضح الحق عند من هديته سبيله الهي فاسلك بنا سبل الوصول إليك وسيرنا في أقرب الطرق للوفود عليك قرب علينا البعيد وسهل علينا العسير الشديد وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون وبابك على الدوام يطرقون وإياك في الليل والنهار يعبدون وهم من هيبتك مشفقون الذين صفيت لهم المشارب وبلغتهم الرغائب وأنجحت لهم المطالب وقضيت لهم من فضلك المآرب وملأت لهم ضمائرهم من حبك ورويتهم من صافي شربك" (1).

"الهي قصرت الألسن عن بلوغ ثنائك عما يليق بجلالك وعجزت العقول عن إدراك كنه جمالك وانحسرت الأبصار دون النظر إلى سبحات وجهك ولم تجعل للخلق طريقاَ إلى معرفتك إلا بالعجز عن معرفتك.

إلهي فاجعلنا من الذين ترسّخت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم وأخذت لوعة محبتك بمجامع قلوبهم فهم في أوكار الأفكار يأوون وفي رياض القرب والمكاشفة يرتعون ومن حياض المحبة بكأس الملاطفة يكرعون وشرائع المصافات يردون قد كشف الغطاء عن أبصارهم وانجلت ظلمة الريب عن عقائدهم وانتفت مخالجة الشك عن قلوبهم وسرائرهم وانشرحت بتحقيق المعرفة صدورهم وعلت لسبق السعادة في الزهادة هممهم وعذب في معين المعاملة شربهم وطاب في مجلس الأنس سرهم وأمن في موطن المخافة سربهم واطمأنت بالرجوع إلى رب الأرباب أنفسهم وتيقنت بالفوز والفلاح أرواحهم وقرت بالنظر إلى محبوبهم أعينهم واستقر بإدراك السؤل ونيل المأمول قرارهم وربحت في بيع الدنيا بالآخرة تجارتهم.

الهي ما ألذ خواطر الإلهام بذكرك على القلوب وما أحلى المسير إليك بالأوهام في مسالك الغيوب وما أطيب طعم حبك وما أعذب شرب قربك فأعذنا من طردك وإبعادك واجعلنا من أخص عارفيك وأصلح عبادك وأصدق طائعيك وأخلص عبادك يا عظيم يا جليل يا كريم يا منيل برحمتك ومنك يا أرحم الراحمين" (1).

 

 

 

 

 

 

 

 

الإهداء

 

أهدي هذا المجهود المتواضع لوالدي العزيز

أداءاً لحقه وعرفاناً لجميله وحمداً لجزيل

وده وإكبارا لعنايته حيث عجز اللسان

عن البيان وقصر البيان عن التبيان

ليكون أبلغ من مقام السر والإعلان

راجياً منه أن لا ينساني في جملة دعائه

في مضان الإجابة والدعوات

 

 

(المؤلف)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين .

وبعد فإني كثيراً ما تشوقت نفسي لتأليف كتاب جامع يحتوي على تراجم أعاظم رجال أسرتي الكريمة التي اشتهرت في الأعصار المتأخرة بأسرة آل عصفور لأمور أوجزها بما يلي:

(أولاً) لما تحتله هذه الأسرة من مكانة في كياني وإحساسي ووجودي بمقتضى الانتماء الجسماني والارتباط العرقي.

(ثانياً) إننا اليوم في أمس الحاجة للاتصال بالماضي الغابر والعودة إلى تفحص واستقراء تاريخ الأوائل من الأكابر وان نسبر التاريخ بعظمائه وأفذاذه وأوتاده لنأخذ العظة من أخلاقيتهم التي مجدها التاريخ والدرس من سيرهم وأخبارهم التي خطت على صفحات الإنسانية بأحرف من نور لأنهم هم الذين عرفوا سر الحياة ورسموا لأنفسهم طريق السلوك فيها على نهج الاستقامة والسداد والحكمة والرشاد.

فحري بنا أن نقتدي بسيرهم وان نحتذي على منوالهم وان نعتبر بمواعظهم وتجاربهم ونأخذ بهم ونأخذ بأنفسنا للسير على خطى نهجهم وصراطهم وخاصة في هذا العصر الذي طغت فيه جاهلية القرن العشرين فماثت الغث بالسمين والقشر باللباب والصلاح بالأعطاب والأصحاب والأحباب بالكلاب والذئاب والنفيس بالأدنى الخسيس والسفاد بالفساد والعسجد بالرماد حتى أصيح الحق لا يكاد يميز والهدى من الضلال لا يشخص.

وغير خاف على أحد ما أنجبت هذه الأسرة من العظماء الذين افتخر بهم الإسلام واشتهر ذكرهم بين قاطبة الخاص والعام وحملوا لواء تجديد المذهب عشرات الأعوام وانبروا لإحياء الشريعة الليالي والأيام على أيدي نخبة من عباقرتها وجهابذتها في الفكر والثقافة والدين على امتداد الأحقاب المتمادية والأعصار المترامية فكانوا نبراساً يستلهم منه ومناراً يهتدى به وعلماً يخفق في سماء العلم والدين والورع والتقوى واخص منهم بالذكر في هذا القسم محدث الطائفة محيي آثار الفرقة الحقة نظام الملة والدين فخر العلماء المتأخرين تاج الملة نصير الهدى علم التقى الذي جهدت جبابرة أعلام الباطل والضلال في عصره على إطفاء نوره فأبى الله إلا ان يتم نوره ولو كره الكافرون من أعظم عظماء فقهاء الشيعة فقيه أهل البيت على الإطلاق بكمال الاستحقاق الشيخ يوسف بن العلم الأوحد الشيخ أحمد بن الشيخ إبراهيم فإنّه تريكة السلف الصالح وقدوة الأفاضل وأسوة الأماثل من أهل التقوى والإيمان خليق بنا ان نتناوله نشأة وسيرة وسلوكاً وعلماً وعملاً.

(ثالثاً) تشتت شمل أبنائها وعلمائها في البلاد والأصقاع وانقطاع ما بينهم من أواصر الود وائتلاف الطباع وتقارب القلوب والأسماع بسبب الحوادث التي ألمت بهم وعصفت بديارهم في البحرين ففرقتهم في الأمصار وبددت شملهم في كل حدب وصوب.

(رابعاً) تشتت أخبارهم وتراجمهم في بطون الكتب وأمهات مصادر الترجمة والتاريخ بما يشكل ثروة تاريخية بحاجة إلى جمع وتأليف والوصل بين حلقاتها لتحتل مكانتها اللائقة بها بين الدراسات التاريخية العلمية.

(خامسا) التصدي لبعض الافتراءات التي ألصقت بجملة من أعلام هذه الأسرة وتزييف نسبة بعض المؤلفين الكتاب لهم ما يشتهي من المسالك فيما هو سالك حتى أبرز الحقائق معكوسة مطموسة وشمس معانيها مخسوفة.

فشمرت عن ساعد الجد بعد أن أمضيت برهة من الزمن أقدم رجلا وأؤخر أخرى فرأيت أن التقديم أولى وأحرى بالخصوص في هذه الأزمان التي طغى فيها الباطل على الحق والظلمة على النور وقويت شوكة الكفار على المؤمنين وعباد الله الأخيار في سائر البقاع والأمصار نسأل الله تعالى أن يحصن ثغور المسلمين وان يرد كيد كل معتد أثيم من أعداء الدين وقاطبة المسلمين إلى نحورهم.

 وقد ارتأينا ان يطبع هذا القسم الذي يختص بشيخنا المشار إليه تحت عنوان (دراسة تحليلية عن حياة المحقق البحراني صاحب الحدائق الناضرة الشيخ يوسف العصفوري البحراني

ومنهجه العلمي ) للإحاطة بشخصية مؤلفه العلمية والوقوف على آرائه الفقهية والأصولية وجملة نظرياته العلمية الأخرى في ميادين وحقول المعرفة المختلفة.

 

 

 

 

 

 

 

 

(تمهيد)

ان دراسة أي شخصية علمية من الشخصيات البارزة في تاريخ الإنسانية بشيء من التحليل والتقصي والتتبع والإستقراء بحاجة ماسة لجملة من العناصر الحيوية التي تعد عاملاً مهماً في تحقيق النجاح الكامل لتلك الدراسة نجملها ونوجزها بما يلي:

1- التجرد والتنزيل: بمعنى أن يكون الكاتب قادراً على التجرد عن زمانه وكيانه وعالمه وتنزيل نفسه منزلة متحررة عن القيود التي تحف وتحيط به فعليا وواقعياً متى ما أراد تناول تلك الشخصية.

2- المعايشة الزمانية: وهو عبارة عن دفع النفس بما لها من قدرة تخيلية لتصور الفترة الزمنية تصوراً يقرب من العيان ولاشك ان هذه القدرة إنما تحصل بفعل معايشة تنزيلية لتلك الحقبة الزمنية وأجوائها التي خيمت فيها والقوانين الاجتماعية والعادات المتفشية والحاكمة فيها والرسوم والتقاليد والأعراف وما إلى ذلك.

3-  المعايشة الفكرية وتتم بنحوين:

أ‌-  الحضور التمثيلي: بمعنى انه إذا أراد أن ينقل مسألة علمية أو نظرة ثقافية لتلك الشخصية التي يبحث عنها وكانت له غاية نبيلة وهدف سامي قوى إدراكه العقلي ونزل فكره منزلة تلك الشخصية ليفهمها فهماً يقرب من كشفها وكأنما نبعث من بنات فكره ولب ذهنه وعصارة عقله فيدافع عنها بما هي أهله ان كانت محمودة ويزيفها وببطلها بما يقتدر عليه ان كانت مذمومة أو بذيئة.

ب‌- التصوير الانطباعي: بمعنى أن يجعل الكاتب إحساسه مرآة تعكس أحاسيس الشخصية التي يبحث عنها وما يجيش ويختلج في صدرها ويخامر بين جنبيها من آلام وأفراح وثبات عزيمة وقوة شكيمة وخوار وضعف وضعة ونحو ذلك ليضفي على بحثه المزيد من الواقعية ويستفتح أبواب ما استغلق من تاريخها وحياتها.

4- القدرة على الاستخلاص وتحليل أفكار الشخصية المبحوث عنها: وذلك عن طريق الربط والوصل بين بحوث الدراسة التحليلية بها بما لاتناقض ولا تضارب فيه أو تنافر بمراعاة التسلسل الموضوعي ثم الانتهاء إلى محصلة نهائية تزيد من تكامل وترابط تلك الدراسة وتلاحم فصولها وأبوابها وخاصة تلك الدراسات التحليلية الموسعة المسهبة التي تشد ذهن القاري إلى أطراف مختلفة فهي بحاجة لتثبيت نظرته تلك بوقفة إجمالية تمثل عصارة الفصل الذي جال بفكره خلاله في نهاية كل بحث أو فقرة تحليلية مضافاً إلى ذلك أن يجهد نفسه في تتبع آراء أفكار تلك الشخصية من خلال قراءة ما خلفت من الكتب والمصنفات ليقف على مراحل نموها الفكري والسير التكاملي لنشاطها العلمي وتدرج نشأة آرائها ويحاول استعراضها بإيجاز مع الحفاظ على مراعاة أصالة النقل عنها.

5- العطاء الفكري: وذلك بأن يطعم الكاتب بحوث دراسته لتلك الشخصية التي تدور دراسته حولها بحوثاً متنوعة مختلفة ترتبط بشكل أو بآخر بتلك الشخصية وتوسع من مدارك أفهام القراء عنها بالأساليب المختلفة المتاحة.

ونحن وإن كنا قد حاولنا بذل بعض الجهود في الالتزام ببعضها بشكل مختصر إيماناً منا بضرورتها إلا أننا قد أغفلنا البعض الآخر للمشاغل الجمة التي تفرض نفسها بين الحين والآخر نسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا ويوفقنا لما يحب ويرضى انه نعم المولى ونعم النصير وأن يكحل أحداق بصائرنا بلذة سعادة اختتامه كما وفقنا لابتدائه.

المؤلف

 

 

(أهمية الفقه وركائزيته في بناء الأمة)

الفقه في اللغة الفهم وخص اصطلاحاً بالعلم بالأحكام الشرعية لجلالة شأنها في النشأتين وتحصيل السعادتين وهو عبارة عن العلم والإحاطة بالمسائل التي كلف الله عز وجل الإنسان للاطلاع عليها للعلم والعمل من أجل ضمان مصالحه الدنيوية ورعاية حقوقه الفردية والجماعية وصيانة النفس والمال والأعراض والحرمات وتنظيم طرق الارتباط بين كيان الإنسان العبودي وساحة قدس جلال خالقه وموجده الواحد الأحد الفرد الصمد.

وانطلاقاً من ذلك المبدأ الأصيل الذي يشكل العنصر المهم في حفظ أصالته وبناء هيكليته ووجوده وبنائه نجد انه لم يقدس مذهب سماوي سالف أو وضعي أرضي العلم النافع الهادف المفيد كتقديس الإسلام له ولم يوجد من يهتم به اهتمامه والى هذا يعزى الفضل في إيجاد النقلة الحضارية الأخيرة والتحول الجذري في تاريخ البشرية جمعاء على اختلاف نحلها وتباعد أطرافها بعد ان كانت تغط في سبات الغفلة وظلمة الجهل والضياع وتقبع في متاهات القبلية الجاهلية وبلبلة الفكر وعشوائية المبدأ.

ولو القينا بإطلالة خاطفة وسبرنا أعماق التاريخ البشري والمراحل التي خاضها من أجل الوصول إلى ما وصل إليه في يومنا هذا وأمعنّا النظر في مراحل نموه تلك وتطوره الحضاري وازدهار مدينته المادية وتقدم تقنياته العلمية لانتهينا إلى ان البشرية عاجزة بكل ما أوتيت من قوة إدراكية وإمكانات عقلية وطاقات تصورية وخيالية ورؤى مستقبلية عن تحصيل سعادتها الحقيقية والواقعية بتقنين القوانين واللوائح الكفيلة بتحقيق الشعارات التي تحلم البشرية بتحققها وتحقيقها والتنعم في ظلها برغيد العيش في حاضرها ومستقبلها.

بل إنها على الرغم من كل ما وصلت إليه في عالم الذرة والالكترونيات وتقنيات الحاسب الآلي وأنظمته وبرمجياته المذهلة لازالت لم تصل كما كانت في سابق عهدها إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي والقدرة على تدوين أصول وأسس ثابتة للتقنين الصائب السليم تنبع من صميم حاجة الإنسان ككل وتؤدي دورها في حفظ نوعه ورعاية مصالحه وفق موازين العدالة والاستقامة ويرجع ذلك إلى عدة أمور:

1-  محدودية العقل البشري وقصوره ومحدودية إدراكه وحواسه وقابليتها للصواب والخطأ والانخداع.

2- جاهلية العقل البشري واضطرابه وخفاء قسم كبير من الحقائق الكونية والتكوينية المرتبطة بقوانين الوجود وخصائص افراده ومميزات أجزائه جملة وتفصيلا عن صفحة ذهنه وعالم عقله وتفكيره.

3- عدم قابلية العقل البشري الواحد المقنن لاستيعاب جل العلوم البشرية لضيق سعة احتوائه مهما برع واجتهد ولهذا نجد ان حكمه واستنتاجه منفرداً غالباً إنما يكون من ضيق أفق عقله في موارد كثيرة بارزاً جلياً.

4- امتياز القوانين والأحكام البشرية بقابليتها للانخرام بمضي الزمن واختلافها بين أبناء العصر والجيل الواحد فضلا عن أبناء الأجيال المتعاقبة.

5- فقدان القوانين والتشريعات الإنسانية الصرفة خصيصتي الثبات والشمولية ولا ريب أن من هذا شأنه وهذه حقيقته كيف يتمكن من الاستقلال في تقنين مبادئه وتأصيل قيمه الإنسانية وتنظيم موازين العدالة الفردية والجماعية المرتبطة بكيانه والحافظة لبقائه والضامنة لسعادته.

وبعد هذا التوضيح نصل إلى نتيجة بديهية تنص على أهمية الفقه السماوي وحتمية استناده   في العلم والعمل على تشريعاته الربانية وانه لا محيص عنها ولا بديل لها لأنها تمثل جوهر النظرة التكوينية والتشريعية الواقعية الخاصة بالوجود الإنساني لهدايته واستقامته والأخذ بيده لساحل الأمن والأمان حيث الهناء والسعادة والخير والرفاه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خصائص ومواصفات الدين الإسلامي وعوامل العالمية

في مبادئه والأبدية في أصوله وأحكامه

لقد استهدف الإسلام قبل كل شيء ربط الإنسان بربه وبمعاده فمن الناحية الأولى:

ربط الإنسان بالإله الواحد الحق الذي تشير إليه الفطرة وأكد وحدة الإله الحق وشدد على ذلك لكي يقضي على كل ألوان التأله المصطنع حتى جعل من كلمة التوحيد (لا اله إلا الله) شعاره الرئيسي وظاهرته الخفاقة.

ولما كانت النبوة هي الوسيط الوحيد المباشر بين الخلق والخالق فشهادة هذه النبوة بوحدة الإله والخالق وارتباطها بالإله الواحد الحق تعتبر أساساً كافياً لإثبات التوحيد.

ومن الناحية الثانية:

ربط الإنسان بالمعاد لكي تكتمل بذلك الصيغة الوحيدة القادرة على علاج التناقض والتي تحقق العدل الإلهي في نفس الوقت.

وللرسالة الإسلامية خصائصها التي تميزها عن سائر رسالات السماء وسماتها التي جعلت منها حدثاً فريداً في التاريخ.

وفيما يلي نذكر ما يمكننا أن ندركه من تلك الخصائص والسمات:

 

الخاصية الأولى

(الربانية)

قال سبحانه وتعالى: (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) (آل عمران/ 79)، وتعني وثاقة الصلة بالله ويتحقق ذلك عن طريقين:

(الطريق الأول): الغاية والجهة: بمعنى أن الإسلام يهدف من وراء تشريعه إلى غاية يطمح إلى ايفادها إلى قلوب معتنقيه لتتبناها وتسعى من أجل الوصول إليها من خلال ما تؤديه من فروض الطاعات وأعمال الجوارح ويتبلور هذا الهدف بذات الخالق جل وعلا حيث يسعى العبد لتحسين صلته به بالشكل الذي يتناسب وخالقيته وينال من خلالها مرضاته.

قال تعالى: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) (الانشقاق/ 6).

(وان إلى ربك المنتهى) (النجم/ 42).

وعن أمير المؤمنين وسيد الموحدين عليه السلام انه قال: الهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك لكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.

وعن الصادق عليه السلام قال: العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عز وجل خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله عز وجل طلباً للثواب فتلك عبادة الأحرار, وقوم عبدوا الله حباً له فتلك عبادة الأحرار, وهي أفضل العبادة.

وفي هذا الحديث بيان لنوعية دوافع الخلق وبواعث الإنقياد ومعايير الرهبة والرغبة في نفوسهم , وان الناس بحسب تميز مداركهم وتفاوت أبعاد طموحاتهم وصفاء نفوسهم يتوزعون إلى ثلاث طوائف وهي وإن كانت نتيجتها واحدة حيث تتحقق عبودية الله تعالى في الحالات الثلاث  إلا ان هناك تفاضل بالرغبة المثالية التي تتصف بها دوافع كل واحد منهم والسمو الذي تخلقه في أعماقهم ووجودهم من خلال سموهم في البعد الروحي.

 

معطيات هذه الربانية في النفس والحياة

ولهذه الخاصية معطيات ذات تأثيرات ايجابية وجذرية على النفس البشرية والحياة الشعورية والتصورية لأساس الواقع وجوهر الحقيقة التي يتفاعل معها الإنسان وينفعل بها مما تهيؤه لتسنم مركزها اللائق بين كائنات الوجود اللامتناهي.

 

المعطى الأول

معرفة غاية الوجود الإنساني

بمعنى أن يستشعر الإنسان الغاية المثالية لوجوده ويتعرف على الوجهة الأساسية لمسيرته في الحياة وان لحياته قيمة ومعنى وهدفاً ولعيشه طعماً ومذاقاً وانه ليس كائناً فاقد القيمة الاعتبارية في الوجود أو انه قد خلق عبثاً يعيش حياة عشوائية لا أساس لنظمها ولا قرار لها.

 

المعطى الثاني

الاهتداء إلى الفطرة

ومن محاسن هذه الربانية أنها تشد الإنسان إلى واقعية تصوراته الفطرية ومركزية محورها العقائدي اللذين يذعنان بأن لهذا الكون خالقاً تفرد بالإلوهية وتوحد بالربوبية يصمد إليه في الحوائج ويلجأ إلى محضر قدسه في الشدائد منزهاً عن الشريك والضد والند وعن الجسمية والشبيه.

قال تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) (الروم/30).

 

المعطى الثالث

سلامة النفس من التمزق والضياع

في كل عصر ومصر تنشأ هناك تيارات فكرية ومذاهب ذوقية تتبنى خط الضلال و الانحراف البشري في قبال خط الإستقامة والحق الإلهي وتعكس طبيعة الجانب البهيمي في شق الإنسان الطبيعي الذي لو خلي ونفسه إلى ماذا يصير اليه من مصير.

 وليس ذلك فحسب بل تساهم فئات من أتباع تلك التيارات في خلق جو كئيب عن الواقع والحياة وتذمر عمّا سيؤول إليه أمره من الفناء فهي ما بين مشجع على الانغماس في نهم الدنيئة وإشباع الغرائز النفسية من لذاتها وما بين داع إلى التقشف والزهد إلى حد يبدو الإنسان فيه كائناً يعيش المأساة والشقاء والعذاب كما ارتكبه الصوفية خذلهم الله تعالى، ومثل هذا الإنسان المأسور والمكبل بمثل تلك الأفكار يبقى بطبيعة الحال في حيرة من أمره حيث تتجاذبه الأطراف الداعية لهذا الخط أو ذلك.

ولأجل الإنقاذ من مثل هذه المأساة يتدخل الإسلام ليضع الحل الفصل ويدعو مثل ذلك الإنسان الضائع للتشبث بمبدأ أصيل ألا وهو التوحيد ويوحد من خلاله في أعماقه الدوافع والميول وأنماط السلوك في اتجاه واحد وهي الإحساس بالرغبة في تحصيل ونيل رضا الله عز وجل ذلك الإحساس الذي تتلاشى معه متاهات المذاهب المنحرفة وتنمحي في جوّه مظاهر الشذوذ والتشتت والضياع حيث السير إلى هدف واحد بمسيرة واحدة يدعم ذلك كله توجه واحد للإرادة وتصور ثابت للرؤية يكون المنهج الذي يندمج على أثره ضمن المنظومة التي ترتكز عليها وحدة المجتمع و وحدة الأمة.

 

المعطى الرابع

التحرر من عبودية الأنانية والشهوات

وفي ذلك يقول الشهيد الصدر (ره):

إن الدين يوحد بين المقياس الفطري للعمل والحياة وهو حب الذات والمقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والحياة ليضمن السعادة والرفاه والعدالة. إن المقياس الفطري يتطلب من الإنسان أن يقدم مصالحه الذاتية على مصالح المجتمع.

ومقومات التماسك فيه والمقياس الذي ينبغي أن يحكم ويسود هو المقياس الذي تتعادل في حسابه المصالح كلها وتتوازن فيه مفاهيم القيم الفردية والاجتماعية، فكيف يتم التوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين لتعود الطبيعة الإنسانية في الفرد عاملاً من عوامل الخير والسعادة للمجموع بعد أن كانت مثاراً للمأساة والنزعة التي تتفنن في الأنانية وأشكالها؟

إن التوفيق والتوحيد يحصل بعملية يضمنها الدين للبشرية التائهة وتتخذ العملية أسلوبين:

الأسلوب الأول: هو تركيز التفسير الواقعي للحياة وإشاعة فهمها في لونها الصحيح كمقدمة تمهيدية إلى حياة أخروية يكسب الإنسان فيها من السعادة على مقدار ما يسعى في حياته المحدودة هذه في سبيل تحصيل رضا الله عز وجل.

فالمقياس الخلقي – أو رضا الله تعالى – يضمن المصلحة الشخصية في نفس الوقت الذي يحقق فيه أهدافه الاجتماعية الكبرى.

فالدين يأخذ بيد الإنسان إلى المشاركة في إقامة المجتمع السعيد والمحافظة على قضايا العدالة فيه التي تحقق رضا الله تعالى لان ذلك يدخل في حساب ربحه الشخصي مادام كل عمل ونشاط في هذا الميدان يعوض عنه بأعظم العوض وأجلّه.

فمسألة المجتمع هي مسألة الفرد أيضاًَ في مفاهيم الدين عن الحياة وتفسيرها ولا يمكن ان يحصل هذا الأسلوب من التوفيق في ظل فهم مادي للحياة.

فان الفهم المادي للحياة يجعل الإنسان بطبيعته لا ينظر إلا إلى ميدانه الحاضر وحياته المحدودة على عكس التفسير الواقعي للحياة الذي يقدمه الإسلام فإنّه يوسع من ميدان الإنسان ويفرض عليه نظرة أعمق إلى مصالحه ومنافعه ويجعل من الخسارة العاجلة ربحاً حقيقياً في هذه النظرة العميقة ومن الأرباح العاجلة خسارة حقيقية في نهاية المطاف.

قال تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها)

وقال: (ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب).

وقال تبارك وتعالى: (يومئذٍ يصدرُ الناسُ أشتاتاً ليُروا أعمالهمْ فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يره).

وقال عز وجل: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولايطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً... إلا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً... إلا كتب لهم ليجزيهم أحسن ما كانوا يعملون).

هذه بعض الصور الرائعة التي يقدمها الدين مثالا على الأسلوب الأول الذي يتبعه للتوفيق بين المقياسين وتوحيد الميزانين فيربط بين الدوافع الذاتية وسبل الخير في الحياة ويطور من مصلحة الفرد تطويراً يجعله يؤمن بأن مصالحه الخاصة والمصالح الحقيقية العامة للإنسانية التي يحددها الإسلام مترابطاً.

وأما الأسلوب الثاني الذي يتخذه الدين للتوفيق بين الدافع الذاتي والقيم والمصالح الاجتماعية فهو التعهد بتربية أخلاقية خاصة تعني بتغذية الإنسان روحياً وتنمية العواطف الإنسانية والمشاعر الخلقية فيه.

فان في طبيعة الإنسان طاقات واستعدادات لميول متنوعة بعضها ميول مادية تتفتح وتنمو بالتربية والتعاهد.

ولأجل ذلك كان من الطبيعي للإنسان- إذا ترك لنفسه- ان تسيطر عليه الميول المادية لأنها تتفتح بصورة طبيعية وتظل الميول المعنوية واستعداداتها الكامنة في النفس مستترة.

والدين باعتباره يؤمن بقيادة معصومة مسددة من الله فهو يوكل أمر تربية الإنسانية وتنمية الميول المعنوية فيها إلى هذه القيادة وفروعها فتنشأ بسبب ذلك مجموعة من العواطف والمشاعر النبيلة. ويصبح الإنسان يحب القيم الخلقية والمثل التي يربيه الدين على احترامها ويستبسل في سبيلها ويزيح عن طريقها ما يقف أمامها من مصالحه ومنافعه.

وليس معنى ذلك ان حب الذات يمحى من الطبيعة الإنسانية بل ان العمل في سبيل تلك القيم والمثل تنفيذ كامل لإرادة حب الذات. فان القيم بسبب التربية الدينية تصبح محبوبة للإنسان ويكون تحقيق المحبوب بنفسه معبراً عن لذة شخصية خاصة فتفرض طبيعة حب الذات بذاتها السعي لأجل القيم الخلقية المحبوبة تحقيقاً للذة خاصة بذلك.

فهذان هما الطريقان اللذان عنتهما المسألة الخلقية بالمسألة الفردية ويتلخص أحدهما في إعطاء التفسير الواقعي لحياة أبدية لا لأجل أن يزهد الإنسان في هذه الحياة، ولا لأجل أن يخنع للظلم ويقر على غير العدل، بل لأجل ضبط الإنسان بالمقياس الخلقي الصحيح الذي يمده ذلك التفسير بالضمان الكافي.

ويتخلص الآخر في التربية الخلقية التي ينشأن عنها في نفس الإنسان مختلف المشاعر والعواطف التي تضمن إجراء المقياس الخلقي بوحي من الذات.

والفهم المعنوي للحياة والتربية الخلقية للنفس في رسالة الإسلام هما السببان المجتمعان على معالجة السبب الأعمق للمأساة الإنسانية.

ولنعبر دائماً عن فهم الحياة على أنها تمهيد لحياة أبدية بالفهم المعنوي للحياة ولنعبر أيضاً عن المشاعر والأحاسيس التي تغذيها التربية الخلقية بالإحساس الخلقي بالحياة.

فالفهم المعنوي للحياة والإحساس الخلقي بها هما الركيزتان اللتان يقوم على أساسهما المقياس الخلقي الجديد الذي يضعه الإسلام للإنسانية وهو رضا الله تعالى ورضا الله – هذا الذي يقيمه الإسلام مقياساً عاماً في الحياة – هو الذي يقود السفينة البشرية إلى ساحل الحق والخير والعدالة.

فالميزة الأساسية للنظام الإسلامي يتمثل فيما يرتكز عليه من فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها والخط العريض في هذا النظام هو اعتبار الفرد والمجتمع معاً وتأمين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل متوازن.

فليس الفرد هو القاعدة المركزية في التشريع والحكم وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشيء الذي تنظر إليه الدولة وتشرع لحسابه.

وكل نظام اجتماعي لا ينبثق عن ذلك الفهم والإحساس فهو إما نظام يجري مع الفرد في نزعته الذاتية فتتعرض الحياة الاجتماعية لأقسى المضاعفات وأشد الأخطار وإما نظام يحبس في الفرد نزعته ويشل فيه طبيعته لوقاية المجتمع ومصالحه.

فينشأ الكفاح المرير الدائم بين النظام وتشريعاته والأفراد ونزعاتهم بل يتعرض الوجود الاجتماعي للنظام دائماً للانتكاس على يد منشئه مادام هؤلاء ذوي نزعات فردية أيضاً ومادامت هذه النزعات تجد لها – بكبت النزعات الفردية الأخرى وتسلم القيادة الحاسمة – مجالاً واسعاً وميداناً لا نظير له للانطلاق والاستغلال.

وكل فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها لا ينبثق عنهما نظام كامل للحياة يحسب فيه لكل جزء من المجتمع حسابه وتعطى لكل فرد حريته التي هذبها ذلك الفهم والإحساس والتي تقوم الدولة بتحديدها في ظروف الشذوذ عنهما... أقول أن كل عقيدة لا تلد الإنسانية هذا النظام فهي لا تخرج عن كونهما تلطيفاً للجو وتخفيفاً من الويلات وليست علاجاً محدوداً وقضاءاً حاسماً على أمراض المجتمع ومساوئه وإنما يشاد البناءِ الاجتماعي المتماسك على فهم معنوي للحياة وإحساس خلقي بها ينبثق عنهما يملأ الحياة بروح هذا الإحساس وجوهر ذلك الفهم.

وهذا هو الإسلام في أخصر عبارة وأروعها فهو عقيدة معنوية وخلقية ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية يرسم لها شوطها الواضح المحدد ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الشوط ويعرفها على مكاسبها منه.

 

المعطى الخامس

تصحيح الغايات والأهداف لدى الأفراد

يجنح البعض لارتكاب الحرام ويسعى الآخر للفتك والبطش بكل ما على الأرض من حياة وعمارة وآخر لفرض سيطرته وإثبات نزعته في حب الملك واحتواء رأس الهرم القيادي في الدولة أو المجتمع وتتعدد إلى أن تصل إلى ما لا حصر لها وليس هناك حتى يومنا هذا من شريعة تقوم على ردع تلك النوازع الشريرة في نفس الإنسان التي تبتني على حب مفرط للذات ورغبة في استئثار بشع وتعالى على الآخرين وتكبح جماحها وتنفذ الى أعماقه وتقدر على اصلاح مساره الخاطئ كمثل الشريعة الإسلامية التي اولت اصلاح أعماق الفرد بالرعاية والعناية قبل أن تتوجه لتقويم سلوكه الخارجي ووضعت الضوابط لأرشدة ميول وتوجهات إرادته من خلال  ثلاث ركائز بالغ في التنبيه على دورها في تحديد سعادة المرء وشقائه في ميزان العدل الإلهي:

(الأولى) استحضار الرقابة الالهية في النفس والتسليم بإطلاعها على اسرار الباطن وما يدور في خلد الفرد ونفسه من دوافع ورغبات وميول ونوايا ، قال سبحانه وتعالى:

(إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم) (الأنفال/ 70).

(يعلم الجهر وما يخفى) (الأعلى/ 7).

(إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم) (الغاشية/ 26).

(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) (غافر/ 19).

(يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب) (التوبة/ 78).

(وإن يجهر بالقول فإنّه  يعلم السر وأخفى) (طه/ 7).

(والله يعلم أسرارهم) (محمد/ 26).

(الثانية) الرقابة الالهية الخارجية على السلوك والأفعال ورصدها لكل حركات وسكنات جوارحه من أعمال وأفعال ، وما ذلك إلا لتعميق الارتباط بالله تبارك وتعالى وترسيخ جذور المبادئ الرادعة عن ارتكاب الجريمة بكل صورها و أشكالها.

(ألم يعلم بأن الله يرى) (العلق/ 14).

(ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) (العنكبوت/ 45).

وإلى الرقابتين الأوليتين أشار بقوله:

 (ويعلم ما تخفون وما تعلنون) (النمل/ 25).

(إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) (النحل/ 23).

(وربك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون) (النمل/ 74).

(الثالثة) : شهادة الجوارح وإقرارها على صاحبها يوم الحساب , وأشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في قوله:

(يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) (النور/ 24).

(وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) (يس/ 65).

واطلاع الفرد على مثل تلك الرقابات سيسهم بلا شك في إيجاد الأرضية الصالحة التي تحفز فيه روح  الابتعاد عن عوامل الانحلال والانحراف و التوجه لإحتضان كافة المؤثرات التي لها دخل ودور فاعل في تسيير دفة توجهاته واندفاعاته وانفعالاته كما أشار إليه الإمام علي عليه السلام بقوله: (ما عملت عملاً إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده)، وفي ذلك كما لا يخفى إشعار بضرورة ترسيخ الرقابة في النفس أولاً لقوله تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ) (ق/ 16).

واستمرار تأثيرها عند ملاحظتها في النفس ثانياً في أثناء الاقدام على العمل الذي توجهت الإرادة للإتيان به , والسعي لإحراز رضا الله تعالى في النتيجة ثالثاً .

وبعبارة أخرى: هل إن هذا العمل متقرباً به لوجهه سبحانه أم لغيره وهل هذا الغير من المنافيات .

وبهذه الأسس التي يرسمها الإسلام للإنسان يضمن له الكرامة الأبدية متى ما امتثل لها و السعادة الدائمة في حياته الدنيوية وحياته الأخروية المرتقبة الأبدية.

 

(الطريق الثاني)

الذي تتحقق به وثاقة الصلة بالله عز وجل

ربانية المصدر والمنهج

تستمد قيمة الإسلام وقيمة مبادئه وأسسه وأحكامه و أطروحاته وأطر مفاهيمه من مشرعه الأول الخالق لهذا الوجود ومبدعه وعلمه المطلق الامتناهي قال عز شأنه : (ولو أنّما في الأرض جميعاً من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) (لقمان/ 27).

ولأجل ذلك أنزل كتابه هادياً من لدنه وخاطب خلقه بدرجة أفهامهم (وأنزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة) (النحل/ 89).

وأطلعهم على مكنون علمه ولطيف سره.

(علم الإنسان ما لم يعلم) (العلق / 5).

(خلق الإنسان علمه البيان) (الرحمن/ 4).

وأرشدهم إلى مراده وحكمته في خلقه بأبلغ أسلوب وأجمل طريق وأهذب مسلك.

(لا نكلف نفساً إلا وسعها) (الأنعام/ 152).

فكلفهم بقدر استطاعتهم وطاقة احتمالهم وأضعف قدرتهم ودفع عنهم ما لا يعلمون وما لا يطيقون وما سهوا عنه وما أكرهوا عليه.

وعاملهم بعفوه قبل أن يؤاخذهم بعلمه وجازاهم عند السيئة بمثلها وعند الحسنة بعشر من أمثالها وبلغت حكمته النهاية والغاية في تأسيس شرعه لهم ومنهاجه إليهم.

فكل شيء أبلغه نبيه وخاتم رسله صلى الله عليه وآله وسلم عنه تبارك وتعالى من فعل أو تقرير أو قول فإنّه  يستمد شرعيته منه عز وجل وإليه يرجع وينتهي ومن منهل شريعته يبدأ ويصدر.

(وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (النحل/ 44).

ولقد كانت تلك الشخصية المتمثلة في الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم المثال الحي والشاهد الفذ للتدليل على عظمة الخالق فيما شرعه لخلقه والمجسد الفعلي لأوامره تبارك وتعالى حتى صح أن يقرن بالذكر معه بل يعد القرآن الناطق.

(ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى) (النجم/ 5).

ونختم حديثنا في سياق هذا الموضع بكلمة للسيد الصدر في فتاواه الواضحة حيث يقول:

(إن هذه الرسالة بنزولها إلى مرحلة التطبيق دخلت التاريخ وساهمت في صنعه، إذ كانت هي حجر الزاوية في عملية بناء أمة حملت تلك الرسالة واستنارت بهداها ولما كانت هذه الرسالة ربانية وتمثل عطاءاً سماوياً للأرض فوق منطق العوامل والمؤثرات المحسوسة نتج عن ذلك ارتباط تاريخ هذه الأمة بعامل غيبي وأساس غير منظور لا يخضع للحسابات المادية للتاريخ ومن هنا كان من الخطأ أن نفهم تاريخنا ضمن إطار العوامل والمؤثرات الحسية فقط أو أن نعتبره حصيلة ظروف مادية أو تطور في قوى الإنتاج، فإن هذا الفهم المادي للتاريخ لا ينطبق على أمة بنى وجودها على أساس رسالة السماء ومنا لم ندخل هذه الرسالة في الحساب كحقيقة ربانية لا يمكن أن نفهم تاريخها)(1).

 

معطيات هذه الربانية

تقف ربانية المصدر والمنهج جنباً إلى جنب مع ربانية الغاية في تكوين العقيدة الصلبة والمبادئ المستقيمة ويسهم في انتشال البشرية من السقوط والضياع في القيم والمبادئ إلى بر الأمان وساحل النجاة وهذا ما نقف عليه من خلال إسهاماته الكبرى ومعطياته الجليلة التالية:

 

المعطى الأول

(رأب النقص وعصمة الخط)

حيث نجد التجمعات البشرية كيف يكثر بينها مظاهر الإختلاف ونبذ الإئتلاف في خطوطها الفكرية ورؤاها الإعتقادية وتتعدد في الانقسام والانشقاق إلى مذاهب عدة في الزمان والمكان الواحد فضلاً عن العصور المختلفة المتعاقبة وإن كان هذا الأمر مألوفاً على امتداد التاريخ البشري إلا أن له عوامله التي تنبع تارة من تعامي فطرة الإنسان ذاتها عن ادراك الحقائق التي تحتاج الى كسب ويقين وتارة من الخلط والبعثرة للمحصلة المعرفية البديهية التي ترتكز على قانون السببية والعليّة وتارة من نتيجة الإنكفاء على الجهل والتغاضي عن استجداء المدد الغيبي والأخذ بأسباب الهداية و الرشاد وطرق الإستقامة وتارة من الانسياق والتبعية العمياء لمظاهر الانحراف والانجراف وراء الأوهام الباطلة والخيالات الجوفاء والانسلاخ عن القيم الخيرة وتحكيم معايير الحق  والدخول في دوامة تقذف به في المهالك والظلمات السحيقة المسالك.

وعالج الإسلام ظاهرة التناقض في جملة تلك المبادئ من خلال دعوته أولاً للتأمل المتجرد عن كل مكابرة وعناد والتدبر المنصف للحقائق العينيّة والمظاهر الكونية والربط بينها وبين التكامل التشريعي لما عليه طبيعة الأحكام والتشريعات المتكاملة المطالب بالإلتزام بها  لأن المبدأ للكل واحد والمَرجِع الحَكَم واحد وغايته الكبرى وهدفه الأسمى هو ضمان انتشال الإنسان من خضم التيه والجهل والضياع.

قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيراً) (النساء/ 82) كما صرح بأن من أهم اطروحاته الرئيسية في الحياة إقرار مبدأ الاستقامة بأبعاده النظرية و صوره العينية وملامحه التطبيقية وهو ما نجده جلياً في أمثال قوله سبحانه وتعالى:

(وهذا صراط ربك مستقيماً) (الأنعام – 126).

أنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه) (الأنعام – 153).

(أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه) (فصلت – 6).

(إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم) (التكوير ـ 27 ـ 28).

حيث يتضح لنا أهمية هذا المبدأ و ما ينشأ عنه من فضائل وفواضل عند إقراره وتطبيقه في وجود الإنسان وما يحققه من توازن واقعي بما لهذه الكلمة من معنى ويضفي طابع التعادل والتوازن في حركة الإنسان ومساعيه التي تستحث أعماقه نحو الرفعة والتقدم والإزدهار وبناء مدنيته الفاضلة وتنظيم سنن المؤثرات والتفاعلات الدائمة المستمرة بينه وبين الأشياء المتصلة  به أو الواقعة في دائرة محيطه الذي يعيش فيه.

وهو بذلك يهدف من خلال هذا المنحى إلى إيجاد نموذج مثالي للحياة وصور تنبع من مبادئ سامية للسلوك الأمثل  وثقافة متكاملة راقية للمجتمع وترابط حقيقي بين الجوهر والمظهر.

قال تعالى: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقا).

فالاستقامة كما تذكره هذه الآية الكريمة سبب من أسباب إفاضة الخير في ميزان العدل الإلهي وافاضة النعيم الدنيوي والخير المبارك لأنها تعبر عن استحقاق مشروع مقابل طاعة الله تعالى والسلوك المتحرر عن الموانع والعوائق والسدود التي يكون مبدؤها غالباً من الإنسان نفسه أو عند انصياعه لسلطات شريرة وتمكينها من منطقة القرار في نفسه.

وهذا المعطى يعد بحق عماد النظرة الإسلامية الواقعية لأرشدة الإنسان وضمان سعادته الدنيوية التي خططت لها من خلال مجمل تشريعاتها ومقاصدها.

 

المعطى الثاني

(نبذ سلطة النفس الأمارة ومظاهرها في الحياة)

من أسمى أهداف الإسلام إشاعة مظاهر العدالة في ربوع المعمورة وإقرار موازينها و تحقيق الأمن والأمان بين أفراد المجتمع ، وهو أمر ليس بإمكان الإنسان مجرداً إقراره والتوصل إلى تحقيقه لولا عنصر الربانية والعامل الغيبي صاحب السلطة الوجودية العليا في الكون والمتصف بجملة من الامتيازات التي أهمها:

1-   مقامه تعالى الربوبي ومنزلته العليا.

2-   شأنه عز وجل المنزّهة عن لوث الخبط والخلط والخطأ والعينية الاستقامة والحق.

3-   إحاطته سبحانه وتعالى العلمية العينية بحقائق الأشياء وأسرارها وانكشافها الشهودي لديه.

4-   النظرة القدسية التي يكنّها العبد تجاهه تبارك وتعالى.

5-   تجلي مظاهر قدرته وأخذه وانتقامه في عالم العقل البشري السليم الذي بدوره يقابلها بالخوف والإشفاق والرهبة.

6-   تعيين مبدأ الهداية بنصه الشريف الذي ورد في القرآن الكريم حيث يقول جلت آلاؤه:

7-   (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (ص – 26).

8-   وقوله (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ) (الجاثية ـ 18 )

9-   ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) (المائدة – 49).

 

المعطى الثالث

(إلغاء السلطة الشخصية الإنسانية أمام السلطة الإلهية العليا لحفظ النظام في العالم التكويني والعلاقة الطبيعية بين أجزائه التي تؤلفه)

لقد خلق الله تعالى الإنسان وأضفى عليه مسحة الاستقلالية في الحركة وانتخاب القرار وجعله عالماً أصغر جمع فيه كافة قوى الوجود كما ورد في تصوير لأمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول:

داؤك منك وما تشعر    وداؤك فيك وما تبصر

أتزعم بأنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر

وحيث مر بك الحديث تحت عنوان أهمية الفقه وركائزيته في بناء الأمة واستعرضنا فيه طبيعة الإنسان ونبذة يسيرة من خصائص القدرة البشرية وحدودها ومدى تقوقعها وانغلاق الأبواب في وجهها على الرغم مما تتمتع به من طاقات وقدرات لا تنكر ونظراً لتلك الأمور تجد الشارع المقدس كيف ينظر إلى كيان الإنسان نظرة شفقة ورحمة وهداية وتقويم وإصلاح وإقامة لاوده وتثبيتاً لجذوره في الحياة ونجد في قبال ذلك كيف ورد التصريح بمثل قوله عز وجل:

(من يحادِدِ الله ورسولَهُ فإن لهُ نارَ جهنمَ خالداً فيها) (التوبة – 63).

(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) (الأحزاب – 63).

(وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) (القصص – 68).

ويكمن سر ذلك في أن للإرادة البشرية حالة تسيب وجبروت وغطرسة لو خليت ونفسها وشأنها لطغت طغياناً عظيماً أودى بها إلى عالم الفناء والاضمحلال من صفحة الوجود وهو أمر يتنافى مع حكمة الخلق والغاية من الإنشاء التكويني وهذا ما يوضحه النص القرآني الذي يقول (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) (المؤمنون – 71).

وطبيعي أن من هذا شأنه وديدنه ونتيجته أن يتعاهد ويحاط بهالة من القوانين بشكل يتناسب مع كيان الإنسان الحر كما سنوضحه في الخاصية الثانية.

 

المعطى الرابع

(القضاء على العبوديات الزائفة وتحرير الإنسانية من القيود المصطنعة الدخيلة)

ومن ثمرات ربانية المصدر تلك النقلة من نقلاته التحولية التي أحدثها في تاريخ البشرية بطرح مبدأ إلغاء الفوارق العنصرية والامتيازات العرقية والقبلية وتحرير الرقيق من أسر الذل والامتهان والهوان وتوحيد الناس كافة في نطاق المبدأ والعقيدة والتفاضل والتشارف في القيم والمثل العليا واعتناق المذهب الحق ومدى الامتثال بها وإجرائها في العالم التطبيعي والعملي.

قال تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) (الروم – 20).

وفي النبوي صلى الله عليه و آله وسلّم : (كلكم لآدم وآدم من تراب).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: "أيها الناس إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة وأن الناس كلهم أحرار" (1).

وقال أيضاً: "الحر حر ولو مسه الضر والعبد عبد وإن ساعده القدر" (2).

ولم تكن تلك الأهداف مقصورة على اتّباع الدين الخاتم بل كانت انطلاقاً من شموليتها تهدف إلى هداية البشرية جمعاء وانتشالها من تلك العبوديات المصطنعة الزائفة وتحريرها من ربقة قوانينها الظالمة وأحكامها المجحفة.

قال تعالى: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (آل عمران – 64).

فالإسلام من خلال ذلك نراه يبدأ عمليته في تحرير الإنسانية من المحتوى الداخلي للإنسان نفسه لأنه يرى أن منح الإنسان الحرية ليس أن يقال له: (هذا هو الطريق قد أخليناه فسر بسلام) وإنما يصبح الإنسان حراً حقيقة حين يستطيع أن يتحكم في طريقه ويحتفظ لإنسانيته بالرأي في تحديد الطريق ورسم معالمه واتجاهاته.

وهذا يتوقف على تحرير الإنسان قبل كل شيء من عبودية الشهوات التي تعتلج في نفسه لتصبح الشهوات أداة تنبيه للإنسان إلى ما يشتهيه لا قوة دافعة تسخر إرادة الإنسان دون أن يهلك بإزائها حولاً أو طولاً لأنها إذا أصبحت كذلك حسر الإنسان حريته منذ بداية الطريق ولا يغير من الواقع شيئاً أن تكون يداه طليقتين مادام عقله وكل معانيه الإنسانية التي تميّزه عن مملكة الحيوان معتقلة ومجمدة عن العمل ونحن نعلم أن الشيء الأساسي الذي يميز حرية الإنسان عن حرية الحيوان بشكل عام أنهما وإن كانا يتصرفان بإرادتهما غير أن إرادة الحيوان مسخرة دائماً لشهواته وإيحاءاتها الغريزية وأما الإنسان فقد زُوّد بالقدرة التي تمكنه من السيطرة على شهواته وتحكيم منطقه العقلي فيها فسر حريته بوصفه إنساناً إذن يكمن في هذه القدرة فنحن إذا جمدناها فيه واكتفينا بمنحه الحرية الظاهرية في سلوكه العملي ووفرنا له بذلك كل إمكانات ومغريات الاستجابة لشهواته كما صنعت الحضارات الغربية الحديثة فقد قضينا بالتدريج على حريته الإنسانية في مقابل شهوات الحيوان الكامنة في أعماقه وجعلنا منه أداة تنفيذ لتلك الشهوات حتى إذا التفت إلى نفسه في أثناء الطريق وجد نفسه محكوماً لا حاكماً ومغلوباً على أمره وإرادته.

وعلى العكس من ذلك إذا بدأنا بتلك القدرة التي يكمن فيها سر الحرية الإنسانية فأنميناها وغذيناها وأنشأنا الإنسان إنشاءاً إنسانياً لا حيوانياً وجعلناه يعي أن رسالته في الحياة أرفع من هذا المصير الحيواني المتبدل الذي تسوقه إليه تلك الشهوات وأن مثله الأعلى الذي خلق للسعي في سبيله أمسى من هذه الغايات التافهة والمكاسب الرخيصة التي يحصل عليها في لذائذه المادية.

أقول: إذا صنعنا ذلك كله حتى جعلنا الإنسان يتحرر من عبودية شهواته وينعتق من سلطانها الأسر ويمتلك إرادته فسوف يخلق الإنسان الحر القادر على أن يقول لا أو نعم دون أن تكمم فاه أو تغل يديه هذه الشهوة الموقوتة أو تلك اللذة المبتذلة.

وهذا ما صنعه القرآن حين وضع للفرد المسلم طابعه الروحي الخاص وطور من مقاييسه ومثله وانتزعه من الأرض وأهدافها المحدودة إلى آفاق أرحب وأهداف أسمى.

(زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب، قل أؤنبكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جناب تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) (آل عمران – 14، 15).

هذه هي معركة التحرير في المحتوى الداخلي للإنسان وهي في نفس الوقت الأساس الأول والرئيس لتحرير الإنسانية في نظر الإسلام وبدونها تصبح كل حرية زيفاً وخداعاً وبالتالي أسراً وقيداً.

ونحن نجد في هذا الضوء القرآني أن الطريقة التي استعان بها القرآن على انتشال الإنسانية من ربقة الشهوات وعبوديات اللذة هي الطريقة العامة التي يستعملها الإسلام دائماً في كل المجالات طريقة التوحيد، فالإسلام حين يحرر الإنسان من عبودية الأرض ولذائذها الخاطفة يربطه بالسماء وجنانها ومثلها ورضوان من الله، لأن التوحيد عند الإسلام هو سند الإنسانية في تحررها الداخلي من كل العبوديات، كما انه سند التحرر في كل المجالات.

ويكفينا مثل واحد لنعرف النتائج الباهرة التي تمخض عنها هذا التحرير ومدى الفرق بين حرية الإنسان القرآني الحقيقية وتلك الحريات المصطنعة التي تزعمها شعوب الحضارات الغربية الحديثة فقد استطاعت الأمة التي حررها القرآن حين دعاها إلى كلمة واحدة إلى اجتناب الخر أن تقول: لا تمحو القرآن من قاموس حياتها بعد أن كان جزءاً من كيانها وضرورة من ضروراتها لأنها كانت مالكة لإرادتها حرة في مقابل شهواتها ودوافعها الحيوانية وبكلمة مختصرة كانت تتمتع بحرية حقيقية تسمح لها بالتحكم في سلوكها.

وأما تلك الأمة التي أنشأتها الحضارة الحديثة ومنحتها الحرية الشخصية بطريقتها الخاصة فهي بالرغم من هذا القناع الظاهري للحرية لا تملك شيئاً من إرادتها ولا تستطيع أن تتحكم في وجودها لأنها لم تحرر المحتوى الداخلي لها وإنما استسلمت إلى شهواتها ولذاتها تحت ستار من الحرية الشخصية حتى فقدت حريتها إزاء تلك الشهوات واللذات فلم تستطع أكبر حملة للدعاية ضد الخمر جندتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية أن تحرر الأمة الأمريكية من الخمر بالرغم من الطاقات المادية والمعنوية الهائلة التي جندتها السلطة الحاكمة ومختلف المؤسسات الاجتماعية في هذا السبيل وليس هذا الفشل المريع إلا نتيجة فقدان الإنسان الغربي للحرية الحقيقية فهو لا يستطيع أن يقول: لا كلما اقتنع عقلياً بذلك كالإنسان القرآني وإنما يقول الكلمة حين تفرض عليه شهوته أن يقولها ولهذا لم يستطع أن يعتنق نفسه من أسر الخمر لأنه لم يكن قد ظفر في ظل الحضارة الغربية بتحرير حقيقي في محتواه الروحي والفكري.

وهذا التحرير الداخلي أو البناء الداخلي لكيان الإنسان هو في رأي الإسلام حجر الزاوية في عملية إقامة المجتمع الحر السعيد فما لم يملك الإنسان إرادته ويسيطر على موقفه الداخلي ويحتفظ لإنسانيته المهذبة بالكلمة العليا في تقرير سلوكه لا يستطيع أن يحرر نفسه في المجال الاجتماعي تحريراً حقيقياً يصمد في وجه الإغراء ولا أن يخوض معركة التحرير الخارجي بجدارة وبسالة: (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد – 11)، )وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق القول فدمرناها تدميراً) (الإسراء – 16) (1).

وبعد هذا الشطر المستوفي من الكلام عن الحرية الشخصية في الإسلام نسترعي الانتباه إلى ظاهرة الاستغراب التي تستحوذ على كثير من المثقفين المسلمين عند سماعهم لحديث عن الشخصية الإسلامية ويتساءلون بدهشة يلوح منها الاستغراب وعلامات الذهول عما إذا كانت هناك ثمة شخصية للمسلم تنبع من الإسلام وحده شخصية مستقلة بمبادئها فريدة بأطروحاتها تستحق أن تكون موضوعاً للبحث والتحليل، نعم إنه ينتابهم ذلك ويستولي على مشاعرهم وإحساسهم العميق في قرارة أنفسهم ولا يسترعيهم الحديث عن الشخصية الرأسمالية أو الشيوعية أو الماركسية ونحوها وكأن الإسلام مجرد اسم ودينه الذي يدينون به مجرد اسم.

وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على الوباء المزمن الذي استشرى في عقول شباب جيلنا المعاصر بسبب الفجوة التي خلفها الاستعمار الحديث وانقطاع الصلة والأواصر الوشيجة بين أولئك وبين منابع الفكر الديني ومصادره التشريعية وأصوله القويمة ومبادئه السامية وأطروحاته العالمية.

لقد نسوا وتناسوا بالأحرى أن عقيدتهم التي آمنوا بها عقيدة شاملة كاملة كما أثبتنا ذلك من خلال ما ذكرناه في هذا القسم وفي موسعتينا: (القانون التشريعي الإسلامي لفقه الدولة) و(الدستور التشريعي الإسلامي لهيكلية الدولة) وخير شاهد على ذلك نظرة خاطفة سريعة لأحد مصادرنا التشريعية من أمثال بحار الأنوار للعلامة المجلسي ومستدركاته وعوالم العلوم لنورالدين البحراني والوسائل للحبر العاملي ومستدركه للنوري والوافي للفيض وسائر كتب الحديث المعتبرة لدى الشيعة الإمامية.

والمتمعن فيها يدرك بجلاء لا تشوبه شائبة حقيقة تلك الدعوى ورسوخها وأصالتها وامتدادها من الواقع وحقيقة أهلية الشريعة الخاتمة.

إن الإسلام المجسد في مذهب أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام عقيدة شاملة كاملة تمثل جوهر حياة الإنسان حيث تقدم الأطروحة النهائية غير القابلة للانسلاخ والنسخ لتنظيم شؤونه واحتياجاته وفق مقتضيات المصلحة والنفع الأكمل فتنقل الإنسان روحياً ونفسياً وجسدياً وباطنياً وظاهرياً نقلة يشهد معها بالحالة الفريدة والرائعة في التناسق البديع بينه وبين الوجود.

ولابد لهذا الإحساس أن يستشري في نفوس شبابنا وبراعمنا على السواء وينطبع في مرآة عقولهم وأفهامهم ليعطى الضوء الأخضر للسلام لكي يصوغ حياتهم وانطلاقتهم في المسيرة التاريخية وفق الأسلوب الأمثل الحكيم الذي خططت رسالة رب العالمين وهدفت إلى انبثاقه وتقريره من أجل أن تنعم الإنسانية في ظله وسط النظام المتكامل في الوجود.

فالإنسان المسلم من خلال هذه الانطلاقة الخيرة يعبر عن وجوده الخاص بالتعامل مع الله جل جلاله بما يملك من قدرة روحية وبالتفاعل مع الكون بما يملك من قدرة عقلية وفكرية وبالتفاعل مع المجتمع بما يملك من أخلاق وهذه العناصر الثلاثة الروح والعقل والخلق عناصر أساسية في الشخصية الإسلامية ولا يمكن أن توجد شخصية إسلامية تنفك عنها بحال من الأحوال فلابد من قبل حي متفتح ولابد من خلق وسلوك عالٍ نموذجي ولابد من روح شفافة نظيفة طاهرة لأجل أن تتحقق الشخصية الإنسانية النموذجية، وهذا هو ما سعى إليه الإسلام وعنى به وجعله نصب عينيه عندما وضع خطوطه العريضة لأجل الوصول لهذه الغاية من خلال هذه النقاط:

·        صياغة نموذج للإنسان المثالي يتمتع بعقل رزين وفكر رصين يتفاعل به مع الحياة المحيطة به.

·        وخُلُق يتفاعل به مع عناصر المجتمع.

·   وروح تصله بالله الخالق البارئ جل وعلا. ومن الواضح أن هذه القوى الثلاث في شخصية الإنسان المسلم يكمل كل واحد منها الآخر ويعضده ويتفاعل معه.

والإنسان الذي استقر وجوده الخاص على هذه الأسس الثلاثة المتقدمة إنسان يعبر بسلوكه في الحياة اليومية وتعامله مع الآخرين عن مبادئه الأخلاقية فليس في وجود هذا الإنسان ثمة انفصال بين السلوك الواقعي وبين المبادي كما هو المشاهد في الإنسان غير المتكامل والمتفاعل.

فإن الشخصية النابعة من اعتناق عقيدة تحدد الطريق وتضع الحلول وتدافع إلى العمل تجعل لكل موجود إنساني وجوداً فريداً متميزاً يلوح منه أفق الشخصية التي تجسد أبعاد التفاعل الشرعي والحقيقي بين خلايا المجتمع ومسئولياته ووظائفه وتكون حينئذ الشخصية اللا إسلامية بادية التهافت في قبالها تجسد العصيان والغربة واللا شرعية واللا مسئولية.

ولا يخفى أن عاقبة انحلال الشخصية وانعدام مقوماتها لدى الإنسان الفرد هي عدم قدرته على صنع مصيره وعجزه عن المساهمة في صنع مصير الآخرين، فإن الإنسان الفاقد للشخصية النموذجية المتكاملة المتجانسة مستغرق في أوحال العالم حوله مستبعد له قد كبلته مغرياته واستحوذ عليه بريق لذاته فهو إنسان مأسور بالتيار المتضعضع المتهاوي الجاهل بأصول المفاهيم المتصلة في ذاتياتها بالكون والحياة والإنسان المستخلف إنه يشكل عالة حقيقية وواقعية على قوى زائفة غريبة عن صميم طبيعته ومسيس حاجة مطالب فطرته.

 

(الخاصية الثانية)

الإنسانية

لم يكن الإسلام في مبادئه الأولية وأسسه الثابتة الركائزية وقوانينه الكلية وأحكامه الأبدية بمعزل عن النظرة العميقة لكيان الإنسان وما ضمه من نقائص ومحدودية في الفكر والعقل والقدرة والإرادة والمشيئة بل كان الإنسان مبدأه وقاعدته في الحياة لأنه تشريع من خالق الكون ومبدعه ومصوره قد اختصه لهذا الكائن وجعله من شؤون هذا الموجود المتميز فشرعه الذي شرعه له إنما كان معلولاً وهو علته ولو لا الإنسان لما كان هناك معنى له في الحياة.

ويمكننا ان نلحظ تلك العلائقية وملامح تلك الخصيصة من خلال مجمل المحاور الرئيسية التالية:

(الأول منها) ما يتناول حفظ النفس ووقايتها من كل ما قد يحيق بها:

(من يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها أبداً) (النساء- 93).

(من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) (المائدة- 32)

(الثاني منها) ما يتناول حفظ المال والعرض ويتكفل بالقضاء على مقدوماتهما وأسبابهما:

(السارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديَهُما) (المائدة- 38).

(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منها مائة جلدة) (النور- 2).

(الثالث منها) ما يتناول حفظ الحقوق والروابط الاجتماعية وتنظيم العلاقات الإنسانية:

(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) (البقرة- 179).

(من يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها) (النساء- 14).

(يا أيها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب) (الحجرات- 11).

 

المعطى الأول

من معطيات هذه الخصيصة كما نستفيده منها هو:

(مراعاة الكيان الإنساني وطاقاته)

(وما ينبثق عنه خلل وقصور في أنماط السلوك)

لقد حاول الاستعمار الحديث بث أنماط خاصة من السموم الفكرية وتشويش وتشويه ما يمتلك عن المبادئ والقيم الإسلامية التي جاءت بها الرسالة المحمدية الخاتمة من تصورات وقلب الحقائق في عقل المسلم كل ذلك من اجل أبعاده عن حضيرة الإسلام وقيمه ومبادئه وقد سخرت لمؤامرتها تلك كافة الوسائل الإعلامية و جميع طرق الدس والتزوير وكان على رأس قائمة المخططات تلك وفي صدارتها إيهام المسلمين برهابة التشريع الإسلامي وانه يقيد الحريات ويكبل الطاقات ويمنع الانطلاق في الحياة وبحجر العقول ويضيق منافذ الحياة.

في الوقت الذي يتمتع فيه الإسلام بعمق تناوله لكيان الإنسان الثائر وتصاعده نحو الحياة السعيدة وسيره التكاملي بما مكنه من بناء حضارته العريقة في برهة يسيرة من الزمن وحوّل أولئك البداة إلى متمدنين متحضرين سخروا العلم في طريق العمل والبناء والرفاه حتى شيدوا صروح الثقافة والفكر والحياة المتمدنة الراقية في حدود عالمهم كما شهد بذلك الأوروبيون أنفسهم ومؤرخيهم وعلماؤهم من أمثال غوستاف لوبون وغيره.

تلك الحضارة العظمى التي امتدت رقعتها من حدود الصين شرقاً إلى المغرب والأندلس غرباً وهاهي آثارها العظيمة في تلك الرقعة لازالت تشهد بماضيها الأصيل وشموخ صرح بنائها وإنما سبب زوالها عزوف المسلمين عن مبادئهم وانغماسهم في الملاهي والملذات وتغلغل دسائس المنافقين والكفار المغرضين بينهم حتى تمكنوا من الإجهاز عليهم فتحولوا بعد العز ببركة الدين الإسلامي إلى أذلاء مقهورين مغلوبين بعد الانحراف عن مبادئه وقيمه وأحكامه وأضحوا فريسة كل مستعمر ودمية كل عابث ومتهتك.

وأما ما يتعلق برهابة التشريع الإسلامي فيمكن ان نجيب عنه بلمحة خاطفة وسرد مختصر لبعض نصوصه القرآنية والمعصومية فأما في القرآن الكريم فإننا نجد أمثلة حية لما قلناه في خلال أمثال قوله عز وجل: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت* ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولا تحمل علينا أصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا) (البقرة- 286).

وكذا قوله تعالى في آية أخرى: (لا نكلف نفساً إلا وسعها) (الأنعام- 154).

وروى الصدوق في التوحيد والخصال بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم : "رفع عن أمتي تسعة الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه ومالا يعلمون وما لا ينطقون وما اضطروا إليه والحسد والطيرة والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة".

وروى أيضاً في اعتقاداته عن الإمام الصادق عليه السلام انه قال: والله ما كلف الله العباد إلا دون ما يطيقون لأنه كلفهم في كل يوم وليلة خمس صلوات وكلفهم في السنة صيام ثلاثين يوماً وكلفهم في كل مأتي درهم خمسة دراهم وكلفهم حجة واحدة وهم يطيقون أكثر من ذلك.

وروى الحسين بن سعيد في كتابه عنه عليه السلام انه قال: وضع عن هذه الأمة ستة الخطأ والنسيان ما استكرهوا عليه وما لا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا عليه.

فأين تلك الدعايات المغرضة وموقعها من أصالة الدين وبنائه الأصيل وسيأتي المزيد من تفصيل ذلك في الخصائص والمعطيات الآتية مضافاً لما تقدم ذكره أيضاً ولتذهب أقوالهم أدراج الرياح وليموتوا بغيظهم.

 

المعطى الثاني

(إفساح المجال للإرادة الإنسانية لتأخذ قسطها من الاستقلالية)

تنحصر الأحكام التكليفية التي أقرتها الشريعة في مبادئها للإنسان في نطاق دائرة تدور فيها خمسة أحكام هي عبارة عن صور ومظاهر لكافة الأحكام التي جاء بها فهي بجملتها لا تشذ عن أحدها أبداً.

أولها الوجوب وثانيها الحرمة وثالثها الكراهة ورابعها الاستحباب وخامسها الإباحة الاولان منها تشريعه مبني على جهة الإلزام والفرض إلا أنهما يفترقان حيث يدل الأول على طلب الإتيان بالفعل ومطلوبيته بما لا مجال لتركه إلا في بعض لبدل عينه كما سيأتي. والثاني على طلب الترك والكف بما لا مجال لإيقاعه والإتيان به.

وأما الثلاثة الباقية فهي خاضعة لإرادة الإنسان وسلطته في مقام الامتثال والترك فباختياره له ان يكف عن الفعل المكروه على مرجوحية في التزامه بذلك الكف أو أن يأتي به وكذلك المستحب بإمكانه ان يمتثل بما تضمنه على مرجوحية أوان يتركه ويعزف عنه .

وأما المباح فهو منطقة إطلاق العنان لإرادة الإنسان التامة ولنرجع إلى الواجب نجد انه ينقسم إلى أقسام معين ومخير فيه ومضيق وموسع وواجب على الأعيان وواجب على الكفاية.

فالمعين ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذم كالصلاة والمخير فيه ما للإخلال به وبما يقوم مقامه مدخل في استحقاق الذم كإحدى الكفارات الثلاث.

والواجب على الأعيان الذي لا يقف استحقاق الذم على الإخلال به على ظن إخلال الغير به كالصلاة وأما الواجب على الكفاية فهو الذي يقف استحقاق الذم على إخلال الغير به كالجهاد والمضيق الذي لا يجوز تأخيره عن وقت إلى وقت آخر كمعرفة الله تعالى والموسع الذي يجوز تأخيره من وقت إلى وقت كالصلاة في أول الوقت إلى وسطه أو آخره.

ومن مجموع ذلك التوضيح والتفصيل نستكشف مدى ما فسحه التشريع المقدس للإرادة الإنسانية وسعة المجال الذي فتحه للإنسان ليذوق طعم الحرية واستقلالية ذاته وكيانه في نطاق التكليف الإلهي.

 

المعطى الثالث

(انتفاء العسر في التكليف وبناء الأحكام الشرعية بما يتناسب مع الإرادة الإنسانية وطموحاتها في الحياة)

قال سبحانه وتعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (الحج - 78) امتازت الرسالة المحمدية على سابقاتها بكثير من الخصائص الفريدة والمبادئ التكاملية الفذة والسعة والشمول وسمو المبادئ والقيم بما يكشف عن عظمة هذا الدين ورفيع شأنه وتكامله لمسايرة الإنسان والزمان والمكان على اختلافهم وتباعدهم بل كلما تقدم العلم وازدهرت معالم الحضارة الإنسانية ازداد غضاضة وطراوة وحيوية.

والى ذلك يشير حديث قرب الإسناد النبوي الشريف حيث قال صلى الله عليه و آله وسلّم  ما نصه: مما أعطى الله أمتي وفضلهم به على سائر الأمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلا نبي وذلك ان الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياً قال له: اجتهد في دينك ولا حرج عليك وان الله تبارك وتعالى أعطى ذلك أمتي حيث يقول:(وما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول من ضيق" الحديث (1).

وقال عز من قائل: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة- 185).

(يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً) (النساء- 28).

(ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) (المائدة- 6).

(وما الله يريد ظلماً للعباد) (غافر- 31) (وما الله يريد ظلماً للعالمين) (آل عمران- 108).

فانظر إلى ما فيها من مزيد التأكيدات على المفارقة الواسعة والامتياز بالتكريم والتشريف البالغ والمنقطع النظير للإنسان في الإسلام.

فهو تشريع مضافاً إلى ذلك يدعوك لان تأخذ نصيبك من الحياة ومتعها ولذائذها بالقدر المعتدل وفق ما رخص به وما أوسعه شريطة ان لا يترتب عليها مفاسد ومضار أي من دون إفراط ولا تفريط.

قال تبارك وتعالى: (ولا تنسَ نصيبك من الدنيا) (القصص- 77).

ويأمر بالعبادة والانقطاع العبودي عن الدنيا أيضاً على وجه لا يتعارض مع حق الحياة والانطلاق في ميادينها ومجالاتها ولذا نجده ينهى عن المغالاة في ذلك الانقطاع والتنسك والترهب.

فيقول: (لا رهبانية في الإسلام) (حديث نبوي شريف).

فهو دين يدعوك لان تكون إنسانا توظف غرائزك النفسية وما تشد إليه من ميول ودوافع في مواضعها وتشبعها بالنحو الصحيح الذي رسمه وينظر إليها بأنها خلقت في كيان الإنسان لتأخذ حقها وتشق طريقها المطلوب منها في الحياة وفي الوقت نفسه يعطي شقه الروحي حقه وقسطه من الاتصال بالعالم الغيبي والمثول بالمظهر العبودي في صور العبادة التي رسمها له الدين وأنماط السلوك الذي حدده في الحياة بما يمثله من مجال رحب في تكوين الإنسان ويسهم في إعداده الإعداد القويم ليسلك به في طريق الاستقامة والمجد والسؤدد في الحياة الفاضلة الحرة الكريمة.

وحقيق بنا أن نختم حديثنا هنا بقولنا انه دين وشرع الحياة وطريق السعادة والهناءة.

 

المعطى الرابع

(آدمية البعثة وإنسانية القدوة)

قال عز وجل: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (الأحزاب - 21). أسوة تمثل الكمال البشري وتجسد العلم والعمل في نطاق المثل العليا والمبادئ السامية والأهداف الإنسانية الكبرى من خلال سيرتها وسلوكها واخلاقيتها ومنطقها وحلمها وسعة رحابة صدرها والهية وربانية نفسها المقدسة الزكية الطاهرة المباركة النقية الكريمة.

وقال عز من قائل: (ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلا وللبسنا عليه ما يلبسون) (الأنعام- 9).

(قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولا) (الإسراء- 93).

(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد) (الكهف- 110).

فسنخية الرسول والمرسل إليهم من أهم ركائز تبليغ الرسالة الالهية الخاتمة وبالخصوص إذا كانت تلك الرسالة عبارة عن متطلبات عملية ومجموع مبادئ تطبيقية بحاجة إلى تجسيد في الحياة (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) (الفرقان- 7).

ولا يخفى ما في ذلك من اللطف وذلك لان إثبات مفهوم إنسانية الأحكام والمبادئ والقيم والمثل وان الإنسان قادر على تلقيها والعمل بمقتضاها بحاجة إلى نموذج من نوع الإنسان وسنخيته الخلقية والسلوكية والطبائعية يتولى مهام تطبيقها عملياً وإقرارها واقعياً يحمل لواء رايتها يشق بها طريق الحياة الإنسانية نحو الاستقامة والسعادة والخير فكان الرسول الخاتم صلى الله عليه و آله وسلّم  انطلاقاً في ذلك أسوة وقدوة يحتدي بأفعالها ويقتدي بأقوالها تبعد الناس عن مسالك الغواية والضلال والضياع وتقربهم إلى سبيل السلام والإيمان والسعادة والاستقامة.

(يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم) (النساء- 170).

(قال يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا) (الأعراف- 158).

(ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) (المائدة- 99).

(يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك) (المائدة- 67).

(وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) (آل عمران- 132).

(من يطع الرسول قد أطاع الله) (النساء- 80).

(ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين انعم الله عليهم) (النساء- 69).

(ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) (آل عمران- 81).

(وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات) (آل عمران- 86).

(لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (البقرة- 134).

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) (التوبة- 128).

(وتطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) (النور- 54).

وقد دلّت هذه الطائفة من الآيات على طبيعة أبعاد نطاق المعايير التي تحلّت بها شخصية الرسول صلى الله عليه و آله وسلّم ومدى سعة فاعليته في حركته التصحيحيّة وطبيعة الخطوط العامة لنهجها الفكري وشعارها العلمي والعملي وعرض لكيفية منح العطاءات الجزيلة لقاء تلك الطاعة ونفي ما قد يتصور من عدم المجازاة.

بل يؤكد من خلال تكرار ذلك البيان في أكثر من آية بما يدلل ويشهد شهادة صدق على وقوعه ولزومه وانه نهاية حتمية لامحيص عنها للمقتدين والمؤتمرين والمعلنين الطاعة والانصياع والعاملين بها والسائرين على نهجها.

المعطى الخامس

(ركائزية الإنسانية في أصله القاعدي وأهدافه وغاياته)

قال سبحانه وتعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال الم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) (البقرة- 30- 33).

(إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) (ص- 71-72).

(ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (السجدة- 8- 9).

(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) (الإسراء- 70).

(الله الذي خلق السموات والأرض وانزل من السماء ماءاً فاخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار واتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمة الله لا تحصونها) (إبراهيم- 32).

(الله الذي سخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وسخّر لكم ما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية- 12- 13).

(الم تروا إن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان- 20).

فالذي نستخلصه من مجمل هذه الآيات الشريفة إن الإنسان قد خلق من أجل تولى مسؤولية الاستخلاف وتثبيت أسس تسخير قوى الطبيعة لصالح وجوده وتدعيم كيانه وإشباع غرائزه، وسد نهم شهواته ودوافعه الفطريةالكامنة في وجوده لكن وفق دائرتي العدل والإستقامة وان الوجود بما يمثل من مظاهر وألوان وموجودات ذات جهات وطبائع وهيئات وخصائص متعددة قد خلق معلولا لعلة خلق الإنسان وان كل ذلك قد تناسق فيما بين أجزائه وأبعاده تناسقاً بديعاً وتآلف تآلفاً وديعاً وتأقلم تأقلماً حميماً وطيداً:

(فارجع البصر هل ترى من فطور) (الملك- 3).

(ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) (الملك- 3).

(لو كان فيهما ءالهة إلا الله لفسدتا) (الأنبياء- 22).

نعم لا يرتاب في ذلك كل من له أدنى روية وبصيرة وذرة نباهة وفطنة وقلامة وعي وشعور وإدراك وان علقت شبهات في أذهان من حجب عن نور إدراكه حقيقة الإيمان وشواهد كل برهان وطريق كل إذعان فهي لا تنافي هذه الكلية وتدحض هذه الظاهرة الجلية.

 

(الخاصية الثالثة)

الشمول للمكان والإنسان والزمان

لاشك ولا ريب أن الشمولية التي يمتاز بها الإسلام إنما تنبع من كونها قد استمدت وجودها من القدرة المطلقة من رب الوجود العالم بأسراره وخفياته علم تكوين وخلق وإفاضة وإبداع ومن الطبيعي أن تكون تلك الشريعة مرآة عاكسة لحقيقة الكمال وصفات الجلال وكمال الحسن والجمال المتصفة به تلك الذات الواجبة الوجود ومفيضة أصل كل موجود.

 

1- الشمول المكاني

ويعني عدم اختصاص تشريعاته وأحكامه بمكان دون مكان على جهة الانحصار والتقوقع والانزواء بل تشريعاته منها ما هو عام لعموم المكان الشامل لكافة المواضع المختلفة على وجه الأرض ومنها ما يتعلق بما هو كالموقوفات بعناوينها المتعددة ومنها ما هو خاص بمكان دون آخر كالأحكام المتعلقة بالحرم الأربعة مكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر الحسيني.

بل لا تختص أحكامه بالمكان الثابت كالأرض والمنخفض منها كالسهل والمنبسط أو المرتفع كقلل الجبال ولا بالمكان المتحرك كالسفينة والسيارة والقطار ولا بالمكان الطائر كالطائرة والمنطاد السريع منها البطيء ولا بالمكان المفارق كالقمر والمريخ والكواكب الأخرى ففي جميع هذه العناوين يلحق الإنسان التكليف لو حصل له الكون فيها والتواجد عليها.

 

2- الشمول الإنساني

فلا تختص تشريعاته بالأبيض أو الأحمر دون الأسود والأسمر أو بالعزيز دون الأدنى الفقير ولا بالعالم دون الجاهل ولا بالسالم دون المريض ولا بالعربي دون الأعجمي ولا بالرجل دون المرأة والخنثى ولا بالبصير دون الأعمى الضرير ولا بالكبير دون الصغير.

فهو تشريع ينظر إلى النطفة قبل انعقادها وبعد تكوينها ومراحلها التي تمر بها في الرحم وكل ما يعرض عليها وعند اكتمالها وخروجها من الرحم بعملية الوضع وأدوار نشأتها ومراحل تدرجها إلى الكبر ومن ثم إلى الممات وبعده مادامت له رفات في الأرض أو زالت وتلاشت فلا تزال أحكامه تتعلق به عن طريق بيان الطرق التي يمكن أن توصل إليه المثوبات بتوسط إهداء القربات وجملة من العبادات بنية النيابة والمفادات في الطاعات والتوسل والدعوات.

 

3- الشمول الزماني

لقد انقضت مدة أربعة عشر قرناً على مجيء البعثة السماوية الخاتمة ولازال غضاً طرياً كيوم نزوله أول مرة محاكياً لمر العصور وكر الدهور وانصرام القرون والأزمان:

1- الزمان ببعده الفطري: بمعنى انه يشمل مراحل وادوار الارتكاز القطري المودع في كيان كل مولود يولد في عالم هذه الدنيا في كل فترة زمنية إلى انقضاء الحياة على وجه هذه الدنيا.

2- الزمان ببعده المرحلي: أي بما يمثل مسايرة تامة لحياة كل فرد في هذا الوجود طيلة فترة عمره الزمنية من نشأتها الأولى ومروراً بمراحلها المختلفة وإنتهاءاً بسن الشيخوخة فالممات من دون تخلف كيانه التشريعي به وانقطاعه عنه.

3- الزمان ببعده العلمي والفكري والثقافي: بمعنى انه يساير العلم البشري بأبعاده المختلفة وميادينه المتشعبة من دون اختصاص بفترة زمنية من تاريخه بحيث ينتهي ويضمحل عن بعض مراحله الزمنية وأدواره المرحلية المتطورة بما يستحق أن يطلق عليه ويوصف بوصف القدم والانقضاء والمفارقة والزوال.

وقال الشهيد الصدر (ره) في صدد ما نحن فيه:

(إن مرور الزمن كما عرفنا لا ينقص من قيمة الدليل الأساس على الرسالة الإسلامية ولكن ليس هذا فقط بل انه أيضاً يمنح هذا الدليل أبعاداً جديدة من خلال تطور المعرفة البشرية واتجاه الإنسان إلى دراسة الكون بأساليب العلم والتجربة وليس ذلك فقط لأن القرآن الكريم سبق إلى الاتجاه نفسه وربط الأدلة على الصانع الحكيم بدراسة الكون والتعمق في ظواهره ونبّه الإنسان إلى ما في هذه الدراسة من أسرار ومكاسب.

بل لأن الإنسان الحديث يجد اليوم في ذلك الكتاب الذي بشر به رجل أمي في بيئة جاهلية قبل مئات السنين إشارات واضحة إلى ما كشف عنه العلم الحديث حتى لقد قال المستشرق الإنجليزي (اجنيري) أستاذ اللغة العربية في جامعة إكسفورد عندما اكتشف العلم دور الرياح في التلقيح أن أصحاب الإبل قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار قبل أن يتوصل العلم في أوروبا إلى ذلك بعدة قرون) (1)، عن طريق ما قرع أسماعه في قوله تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقع) (الحجر – 22).

(فهذه الرسالة جاءت شاملة لكل جوانب الحياة، وعلى هذا الأساس استطاعت أن توازن بين تلك الجوانب المختلفة وتوحد أسسها وتجمع في إطار صيغة كاملة بين الجامع والجامعة والمعمل والحقل ولم يعد الإنسان يعيش حالة الانشطار بين حياته الروحية وحياته الدنيوية) (2).

 

(الخاصية الرابعة)

الوسطية أو التوازن

قال عز من قائل: (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) (الحديد – 25).

وقال عز وجل: (والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (الرحمن – 7 – 9).

(إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر – 49).

(ما ترى من خلق الرحمن من تفاوت) (الملك – 3).

(لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) (يس – 40).

(الشمس والقمر يسبحان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان) (الرحمن – 5 – 7).

(وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمر قد قدر) (القمر – 12).

(نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين) (الواقعة – 60).

(إن الله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدرا) (الطلاق – 3).

(خلق كل شيء فقدره تقديرا) (الفرقان – 2).

(هو الذي جعل الشمس ضياءاً والقمر نوراً وقدره منازل) (يونس – 5).

لقد امتلأ الكون بمظاهر الدقة المتناهية وقوانين الطرد والجذب وحفظ القوى المختلفة ومنع التضاد والتنافر بين مجالات فعالياتها ونطاقات تأثيرها وحالات التنازع بينها من أجل الدوام والاستمرار والبقاء والاستقرار.

وإليك جانباً من ذلك التوازن في نظام عالمنا الدنيوي لتقف بأم عينيك على تلك الحقيقة الباهرة والمعجزة النيّرة الظاهرة، قال كرسي موريسون في كتابه العلم يدعو للإيمان ما لفظه:

"إن الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس لا في أي كوكب آخر وهذه العناصر مقسمة على الكرة الأرضية بنسب مئوية معينة قد أمكن التحقق منها لدرجة مقبولة فيما يتعلق بالسطح وقد حولت جملة الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة وحدود حجمها وسرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية ودورانها على محورها قد حدد بالضبط لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات الفلكية.

ويصحب الكرة الأرضية كوكب نسميه بالقمر وحركاته محددة وسياق تغيراته يتكرر كل 18 سنة ولو أن حجم الكرة الأرضية كان أكبر مما هو عليه أو أصغر أو لو أن سرعتها كانت مختلفة عما هي عليه لكانت أبعد أو أقرب من الشمس مما هي ولكانت هذه الحالة ذات أثر هائل في الحياة ذات أثر هائل في الحياة من كل نوع بما فيها حياة الإنسان وكان هذا الأثر يبلغ من القوة بحيث أن الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك إلى أية درجة ملحوظة لما أمكن وجود حياة فوقها ومن بين كل الكواكب السيارة نجد أن الكرة الأرضية فيما نعلم الآن هي الكوكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سبباً في جعل نوع حياتنا ممكناً.

والمتفق عليه الآن عموماً أن الحياة لم توجد قط ولا يمكن أن توجد في أي شكل معروف على أي كوكب سيار غير الكرة الأرضية لذلك لا ينافي البداية الأولى كوطن للمخلوقات البشرية كوكب سيار صغير قد أصبح بعد سلسلة تغيرات في مدى بليوني سنة أو أكثر مكاناً صالحاً لوجود الحياة الحيوانية والنباتية التي توجت بالإنسان.

وتدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة والآن افرض أنها تدور بمعدل مئة ميل فقط في الساعة ولم لا؟

عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار وفي الليل قد يتجمد كل نبت في الأرض.

إن الشمس التي هي مصدر كل حياة تبلغ درجة حرارة مسطحها 12000 درجة فهرنهايت وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه النار الهائلة بالدفء الكافي لا بأكثر منه وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة و في سنة واحدة فإن كل نبت يموت ويموت معه الإنسان حرقاً أو تجمداً.

والكرة الأرضية تدور حول الشمس بمعدل ثمانية عشر ميلاً في الثانية ولو أن معدل دورانها كان مثلاً ستة أميال أو أربعين ميلاً في الثانية فإن بعدنا عن الشمس أو قربنا منها يكون بحيث يمتنع معه نوع حياتنا.

... ولو أن شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي فقط لكنّا تجمدنا ولو أنها زادته بمقدار النصف لأصبحنا رماداً من زمن بعيد.

ثم إن الكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها 23 درجة ولهذا دواع دعت إليه فلو أن الكرة الأرضية لم تكن مائلة لكان القطبان في حالة غسق دائم ولصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك شمالا وجنوبا مكدساً في طريقه قارات من الجليد وربما ترك صحراء بين خط الاستواء والثلج وفي هذه الحالة كانت تنبعث أنهار من الجليد وتتدفق خلال أودية إلى قاع المحيط المغطى بالملح لتكون بركاً مؤقتة من الملح الأجاج (ملاحات) وكان ثقل الكتلة الهائلة من الجليد يضغط على القطبين فيؤدي ذلك إلى فرطحة خط الاستواء أو فورانه أو على الأقل كان يتطلب منطقة استوائية جديدة كما أن انخفاض المحيط يعرض مساحات شاسعة جديدة من الأرض ويقلل من هطول المطر في جميع أرجاء العالم مما ينجم عن ذلك عواقب مخيفة.

... ويبعد القمر عنا مسافة 000 ,240 ميل ويذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيراً لطيفاً بوجود القمر والمد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدماً في بعض الأماكن بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر ويبدو لنا كل شيء منتظماً لدرجة إننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مسافة المحيط كلها عدة أقدام وتحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية.

... ولو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا بدلا من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلا فان المد كان يبلغ من القوة بحيث أن جميع الأراضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها وفي هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة وكانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب وكان المد الذي في الهواء يحدث أعاصير كل يوم.

وإذا فرضنا أن القارات قد انكسحت فان معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل ونصف الميل وعندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في أعماق المحيط السحيقة على وجه الاحتمال وهناك كانت تستنفد نفسها حتى تخمد.

... لقد جاء نظامنا الشمسي من خليط مضطرب للعناصر التي انفصلت عن الشمس عند درجة حرارة قدرها000 ,412 وتبعثرت في فضاء غير محدود بعنف لا يتصوره العقل وقد حل النظام محل الفوضى بدقة تجعلنا نستطيع أن نقدر بالثانية المكان الذي سيحتله أي جزء وبلغ التوازن من الكمال إلى حد انه لم يعتوره أي تغيير في مدى بليون سنة وانه يدل على الدوام إلى الأبد كل ذلك بحكم قانون وبهذا القانون نفسه يتكرر هذا النظام الشمسي في نواح أخرى (1).

الى هنا نكتفي بموضع الحاجة مع الاختصار في حذف بعض المطالب أشرنا إلى موضعها بثلاث فقط وان كان الكتاب المشار إليه ملئ بالمطالب الجليلة النافعة إلا أننا قد اقتصرنا منها على موضع الحاجة للاستشهاد على شواهد بديهية يدركها الكل من خلال حياته ومعايشته اليومية لها وأن العالم يعيش حالة التوازن والنظام الدقيق الذي صاغته قدرة الإبداع  والتكوين والتشريع الإلهي وانه إذا وسعنا أن ندرك جانباً منها فإنه ينبغي أن نقطع بتوافره ووفرته في الجوانب الأخرى بنفس النسبة وان قصرت أذهاننا عن إدراكه واستكشافه في كثير من المواضع المعقدة المغلقة التي امتلأ بها هذا الكون من الذرة الى المجرة.

 

(الخاصية الخامسة)

الواقعية

ولها معان:

(الأول) المطابقية بين أحكام الدين الإسلامي وتقنياته وبين موضوعاتها الخارجية الماثلة للعيان وبعبارة أخرى أوضح بمعنى انها سمحة وسهلة ميسرة لا يستحيل العمل بها وامتثالها لابتناها على ادنى القدرة وما تطيقه وتسعه القدرة البشرية وطاقتها الإنسانية وحدود نطاق إمكاناتها ودائرة إرادتها .

(الثاني) واقعية التطابق بين مبدئها التشريعي (المصدرالأول الخالق للكون) وتعبيره بصدق عن ربانية أحكام الفقه التكليفي حيث تكاملها التشريعي والأسس التقنينية القائمة عليها والتي تتناغم بجلاء مع تكامل نظام الخلق والتكوين والإيجاد في هذ العالم.

 (الثالث) واقعية الارتباط الفطري : بمعنى انه أفضل تشريع ونظام يصلح لواقع فطرة الإنسان وينطبق على تمام احتياجاتها طيلة مسيرتها في الحياة ومعترك صراع بقائه فيها.

(الرابع) واقعية المطابقة مع انبعاثات الفكر في داخل نطاق العقل البشري السليم فلا  يقابلها بالنفور والعزوف بل بالامتثال والعمل والإقبال على الامتثال والطاعة وهذا معنى ما قيل: (العقل شرع من داخل كما أن العقل شرع من خارج).

 

(الخاصية السادسة)

الوضوح

لسنا بحاجة لمزيد بيان لمعنى الوضوح فهو معنى يتبادر إلى الذهن عند أول وهلة من توجهه إليه وسعة ونكتفي في الإشارة إليه الى طائفة من الآيات لنقف من خلا ملاحظة ما تضمنته عن قرب وكثب على مظاهره وصوره وموقعيته وأهميته في التشريع والفكر الإسلاميين.

قال عز وجل: (إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم) (المائدة – 101).

(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل – 89).

(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) (النحل – 44).

(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً) (النساء – 174).

(وكذلك أنزلناه آيات بينات وان الله يهدي من يريد) (الحج – 16).

( شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) (البقرة – 185).

(بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) (العنكبوت – 49).

(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب) (الحديد – 25).

(فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم) (غافر – 83).

(وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون) (البقرة – 230).

(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر) (النحل – 44).

(كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) (البقرة – 266).

(كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (آل عمران – 103).

(قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) (المائدة – 15).

وأنت خبير بمدى توافر مصاديق مفهوم الوضوح في أحكام وثقافة الدين الإسلامي خصوصاً عند النظر إلى نصوص الفقه وأحكام الشريعة وإمعان النظر في مبادئه ومقاصده .

 

(الخاصية السابعة)

الجمع بين الثبات والمرونة

من الخصائص والمميزات التي تفرد بها الإسلام عن ما سواه من البعثات السماوية المنصرمة خصيصة الجمع بين الثبات والمرونة في جل أحكامه وثوابته والسر في ذلك واضح لا يخفى على كل من له أدنى رؤية ونباهة لان الحكمة الإلهية التي اقتضت خاتمية هذا الدين وهذه البعثة السماوية لكافة الأديان والبعثات السابقة مع الأخذ بعين الاعتبار المدة والفترة الزمنية التي سيشغلها من حياة البشرية على امتداد تاريخها الزمني وبعدها العقائدي ونسق أفكارها الثقافية في خلال تلك الحقبة المديدة وما سيطرأ عليها من تطور أنظمة الحياة وازدهار في معالم مرافقة كافة لابد أن تؤكد وتؤصل هذه الخصيصة وتثبت ملامحها بشكل جذري متأصل.

وهذا ما نجده جلياً في جملة قوانينه التكليفية التشريعية والتي ورد فيها النص الأكيد بعدم قابليتها للنسخ والتبدل والإنخرام بمقتضى مبدأ الخاتمية وامتناع طرو النسخ في أحكامه ومبادئه ومثله وقيمه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة وكذلك الأمر بالنسبة إلى كافة الأصول والمبادئ والأحكام الأساسية الأولية الثابتة وهذا هو المراد بتلك الخصيصة حيث ثبات المبادئ والأحكام القطعية والضرورية من تحريم أو تحليل وثبات نسق الأهداف والملامح العامة المبدئية واطراد قواعده الفقهية من عموم أو اطلاق أو كليات لكل الاحتياجات التشريعية كل بحسب سعة دلالته المفهومية على خط ونسق واحد .

أما خصيصة المرونة أو بعبارة أخرى امتياز قوانينه وأحكامه بقابليتها على التأقلم والانطباق على الأزمان المختلفة في حركة التاريخ الاطرادية والأفراد كافة من بني الإنسان الموجودين بالفعل أو من سيوجد منهم في مستقبل الإعصار والأدوار فهي تستفاد من العمومات الواردة في أحكامه بالدرجة الأولى كأساس مبدئي ثابت في أصل التشريع وقابلية أحكامه للانطباق على جميع المصاديق التكليف والمكلف من دون تأطر وانحصار في أفراد محدودة خاضعة لمؤثرات زمنية أو آنية معينة تنتهي بإنتهائها وتنعدم بإنعدامها ويدل على ذلك صريحاً من جملة من الآيات القرآنية أمثال قوله عز وجل:

(ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام – 38).

(ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (الأنعام – 59).

(أفغير الله ابتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا) (الأنعام – 114).

(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وهدى ورحمة) (الأعراف – 52).

(ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (يونس – 61).

(الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (هود – 1).

(ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء هدى ورحمة) (النحل – 89).

وكذلك جملة من الروايات المعصومية إلا أن أظهرها ما رواه الثقة الكليني في كافيه عن الصادق عليه السلام حيث يقول: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة) وكذا الأخبار المتظافرة المتضمنة لمعنى: (ما من واقعة إلا لله فيها حكم).

هذا هو المراد والمعنى من المرونة في أحكامه وأصوله وقواعده لا ما يصوره جملة من جهلة المتزينين بلباس الدين وبعض العلماء المأجورين والكتاب والمؤلفين المغرضين في هذا العصر من إن لكل زمان ومكان ظروف وأحكام وقوانين لابد أن تعمل عملها في تحوير أحكام الدين بما يتناسب مع تلك الظروف وان بلغ الحد إلى تحريم جملة مما سبق للشريعة تحليله أو تحليل جملة أخرى من الكبائر واللج في الشبهات واقتحام المحرمات.

ومن أفظع العجائب أنهم عبروا عن ذلك بأنه هو المعنى بالمرونة في الدين وشريعة سيد المرسلين وزادوا على مقالتهم تلك بأن الرسول الأكرم عليه السلام ولو بعث ثانياً لفعل فعلتهم وأكد أحدوثتهم ولا يخفى على كل من له أدنى دراية ومسكة إن تآمرهم البغيض هذا إنما هو خرط القتاد وتهويد صرح الدين وتقويض شرعه المبين والحط من قداسته وكسر شوكته وإفساح المجال لعبث العابثين وفتح الباب على مصارعيه لتحريفه وخرم مبادئه وخرق أهدافه وأصوله ومسخ إلهيته وإدراجه في مصاف المذاهب الوضعية والديانات البشرية الجعلية المنحرفة البعيدة عن شرائع السماء.

 

(الخاصية الثامنة)

الرحمانية

وقد ورد النص عليها في مواضع كثيرة منها قوله عزّ وجلّ:

(إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (البقرة – 163).

(عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم) (الحشر – 22).

(ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) (غافر – 7).

(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء – 107).

(هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون) (الجاثية – 20).

(ما يفتح الله للناس رحمة فلا ممسك لها) (فاطر – 2).

(ليخرجكم من الظلمات إلى النور وان الله بكم رؤوف رحيم) (الحديد – 9).

(ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله انه كان بكم رحيماً) (الإسراء – 66).

(وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) (النحل – 18).

(محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (الفتح – 29).

فشملت رحمته عزت آلاؤه الإنسان مؤمنه وكافره مطيعه وعاصيه والحيوان والنبات وكل الموجودات فهو عين الرحمة وذاتها وأصلها وجوهرها وأساسها وكيانها وسنحاول من خلال عرض معطيات هذه الخصيصة الإلمام ولو بشيء من الإجمال ببعض جوانبها وصورها الواقعية.

 

(المعطى الأول)

(عموم الرأفة واللطف والرحمة والعطف)

من معطيات خصيصة الإنسانية شمول العطف واللطف الربانيين لكافة البشر كما نلاحظ مجسداً في مقولة الرسول الأكرم عليه وآله أفضل الصلاة وأتم السلام التي تنص بما لفظه: ( بعثت بالشريعة السمحاء).

بمعنى إن الرسالة المحمدية الخاتمة إنما هي عبارة عن تطبيق رائع لأسمى صور المثل العليا والمبادئ السامية ودعوة لتجسيد الأهداف الخيرة الإنسانية كالرأفة واللطف والرحمة والعطف والإحسان ونحوها في الحياة لأنه الدين الذي أراده الله عز وجل أن يكون خاتمة أديانه ولهذا ميّزه بالتعبير الواقعي عن الحكمة الإلهية.

ومن أجل جديّة الدين في إشاعة تلك المبادئ والمظاهر المثالية يصرح القرآن بنفسه ويصور تكامله وسموه المتناهي العظمة يمثل هذه الآيات القرآنية:

(أفغير دين الله يبغون) (آل عمران – 83).

(إن الدين عند الله الإسلام) (آل عمران – 19).

(ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم – 30).

(فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) (الروم – 43).

(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) (التوبة – 33).

إلى غير ذلك من الآيات ونجد الأحاديث المعصومية هي الأخرى تؤكد على ذلك المعنى بطبيعة امتدادها التشريعي واتصالها بالمنبع النبوي.

ففي الخصال روى الصدوق بسنده عن موسى بن بكير قال: لأبي عبدالله عليه السلام: الرجل يغمى عليه اليوم واليومين والثلاثة والأربعة وأكثر من ذلك كم يقضي من صلاته؟ فقال: ألا أخبرك بما يجمع لك هذه وأشباهه؟ كلما غلب الله عز وجل عليه من أمر فالله أعذر لعبده.

وزاد فيه غيره: إن أبا عبدالله عليه السلام قال: وهذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها ألف باب.

وفي المحاسن روى البرقي عنه عليه السلام أيضاً انه قال: ما أمروا (أراد بهم العباد) إلا بدون سعتهم وكل شيء أمر الناس به فهم يسعون له وكل شيء لا يسعون له فموضوع عنهم ولكن الناس لا خير فيهم ثم تلا : (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) فوضع عنهم.

وقال: (ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) قال: فوضع عنهم لأنهم لا يجدون ما ينفقون وقال: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فلا يفقهون).

وجاء فيه أيضاَ عنه عليه السلام انه قال: الناس مأمورون ومنهيون ومن كان له عذر عذره الله (الحديث).

وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على مبلغ اتساع دائرة الرحمانية في التشريع الإسلامي وكونها من أهم مقوماته ودعاماته الأساسية والرئيسية.

 

المعطى الثاني

(المبالغة في المسامحة والمراعاة)

لا تقف سعة رحمانية الإسلام إلى الحد المتقدم بل تذهب إلى ابعد من ذلك وهذا ما نستطرد ذكره بهذه النبذه من النصوص:

(الأول) ما رواه شيخ الطائفة في أماليه بسنده عن النبي صلى الله عليه و آله وسلّم انه قال: يوحي الله عز وجل إلى الحفظة الكرام لا تكتبوا على عبدي المؤمن عند ضجره شيئاً.

(الثاني) ما رواه التويسركاني في لئالئ الأخبار عن النبي صلى الله عليه و آله وسلّم انه قال: عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها مالم تنطق به وتعمل به وذيله بقوله: لان حركة اللسان والجوارح مقدوران الخطرات بأضدادها ومقابلة الشهوات بكراهتها انتهى.

(الثالث) ما رواه ثقة الإسلام الكليني في كافيه بسنده عن علي بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجيء منه الشيء على حد الغضب يؤاخذه الله به؟ فقال عليه السلام: الله أكرم من أن يستغلق عبده .

وفي نسخة أبي الحسن الأول عليه السلام (يستقلق عبده).

قال العلامة المجلسي في توضيح هذا الخبر: قوله (من أن يستغلق عبده) أي يكلفه ويجبره فيما لم يكن له فيه اختيار.

وقوله: (وفي نسخة أبي الحسن الأول يستقلق) لعله كان الحديث في بعض الأصول مروياً عن أبي الحسن عليه السلام وفيه كان (يستقلق) بالقاف من القلق بمعنى الانزعاج والاضطراب انتهى.

ومن ذلك يتضح لنا من هذه النبذة اليسيرة كيف قد تضمنت من المعاني المومأ إليها ما يحكى تصويراً محبباً يتعاطف مع أحاسيس النفوس الكريمة ويعانق الأرواح الطاهرة ويعبر عن مدى السماحة والفسحة والشفقة والرأفة التي يكنها الإسلام للإنسان.

 

المعطى الثالث

(اشاعة المحبة والتوادد والتآلف والالتحام)

قال سبحانه وتعالى:

(وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة) (الحديد – 27).

(وتواصوا بالمرحمة) (البلد – 17).

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) (النحل – 91).

(وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (البقرة – 195).

وجاء في الحديث النبوي: (المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

يحتضن الإنسان في حدود وجوده الشخصي جملة من الأحاسيس والمشاعر لها آثارها على السلوك والعواطف والميول وما حالة البعث الروحي بعد الخمول وتأكد جذوة الغرائز بعد خوارها وصحوة النماء الوجداني بعد الفتور والتضعضع إلا ظواهر طبيعية وحالات مترقبة من داخل كيان هذا الكائن الدائم التفاعل لما هو عليه من جامعية تكوينية فنجد أن إحساسه بالوضاعة والضياع يحفز في ذاته الشوق للاستقرار والثبات.

كما أنه بحكم وجوده النوعي الإجتماعي يجنح الى الترابط والالتحام والذوبان في تكتلات أمثاله النوعيين .

فنجد على سبيل المثال كيف أن إحساسه بالفقر والحرمان يدفعه لطلب البلغة والسداد والكفاف. ونجد كيف أن إحساسه بالذل والاستكانة والاضطهاد ينمي في ذاته وباطنه روح الحقد والحنق والتطلع للانتقام وتحيّن الفرص للانقضاض على من تسبب له في ذلك , ونجد كيف أن إحساسه بالمهانة والانتقاص يدفعه للرد بالمثل واستثارة روح العداء في قراره نفسه.

وعلى العكس من ذلك لو نظرنا إلى جانبه الآخر:

فنجد كيف أن إحساسه بالارتياح والإنبساط وحنان والعطف يكون مدعاة لإثارة مشاعرة للانطلاق بإنسانيته وعاطفيته لمبادلة نفس الشعور تجاه الآخرين , ويعمق في روحه حب الخير والإحسان ومبادلة العواطف والشعور بمثله.

وهكذا نجد كيف إن الإنسان ذاتاً متفاعلة دائماً تخضع لموازين وتفاعلات مستمرة بين أفراد الجنس البشري في منظومته الإجتماعية تسهم بمجموعها في خلق دواعي الإرتباط وأسباب الإجتماع و مظاهر الألفة.

ولكي تتأدى الحكمة والغاية النبيلة التي من أجلها وجدت هذه الطبائع والغرائز وتأتي بثمارها المطلوبة ركز الإسلام في أطروحته لبناء المجتمع المتماسك المترابط على معالجة شتى أسباب الخلل والنفرة والتدابر والإختلاف والقطيعة بدءا بالأسرة وانتهاءاً بمنظومة المجتمع في اطاره الصغير ومروراً بالدولة وانتهاءاً بالأمة .

وهذا ما ندركه من خلال هذه الإطلالة السريعة والخاطفة على بعض النصوص المعصومية.

ولخوف التطويل نكتفي بنقل بعض ما روي عن الحضرة النبوية الشريفة على الصادع بها آلاف التحية والسلام.

1-        (رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر) (1).

2-   (لا تزال أمتي بخير ما تحابوا وتهادوا وأدوا الأمانة واجتنبوا الحرام وقروا الضيف وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين) (2).

3-        (المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم وخير المؤمنين من كان مألفه للمؤمنين ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) (3).

4-        (ان الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق) (4).

5-        (ان في الجنة درجة لا يبلغها إلا إمام عادل أو ذو رحم وصول أو ذو عيال صبور) (5).

6-   (أتى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلّم  رجل فقال: يا رسول الله أوصني فكان فيما أوصاه أن قال: الق أخاك بوجه منبسط) (6).

7-   (ثلاثة من الجفاء: أن يصحب الرجل الرجل فلا يسأله عن اسمه وكنيته وان يدعى الرجل إلى طعام فلا يجيب فلا يأكل ومواقعة الرجل أهله قبل الملاعبة) (7).

8-        (أسعد الناس من خالط كرام الناس). (8)

9-        (الوحدة خير من قرين السوء).

10-   (جاملوا الأشرار بأخلاقهم تسلموا من غوائلهم وباينوهم بأعمالكم كي لا تكونوا منهم). (9)

11- (تزاوروا وتعاطفوا وتبادلوا ولا تكونوا بمنزلة المنافق الذي يصف ما لا يفعل). (10)

12- (النظر إلى العالم عبادة والنظر إلى الإمام المقسط عبادة والنظر إلى الوالدين برأفة ورحمة عبادة والنظر إلى الأخ توده في الله عز وجل عبادة). (11)

13- (أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن تطرد عنه جوعته أو تكشف عنه كربته). (1)

14- (من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها وفرج عنه كربته لم يزل في ظل الله الممدود عليه الرحمة ما كان في ذلك). (2)

15- (لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه). (3)

16- (خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن وجبت له الجنة من سقى هامة صادية أو حمل قدماً حافية أو أطعم كبداً جائعة أو كسى جلدة عارية أو أعتق رقبة عانية). (4)

17- (كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان). (5)

18- (وفي رواية انه أمر بسبع: عيادة المريض وإتباع الجنائز وإبرار القسم وتسميت العاطس ونصرة المظلوم وافشاء السلام وإجابة الداعي). (6)

19- (خير الناس من انتفع به الناس).

20- (إن أسرع الخير ثواباً البر وأسرع الشر عقاباً الغي وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه وان يعير بما لا يستطيع تركه وان يؤذي جليسه بما لا يعنيه. (11)

21- (نعم وزير الإيمان العلم ونعم وزير العلم الحلم ونعم وزير الحلم الرفق ونعم وزير الرفق اللين). (7)

 

الخاصية التاسعة

السلامة من التحريف

قال سبحانه و تعالى:

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر – 9).

ومعلوم إن للحفظ معاني ومفاهيم ومصاديق متعددة إلا أنها تدور بجملتها في ضمن دائرة التعهد والصيانة وإحاطة الشيء بالرعاية والعناية والخفارة والرقابة وحفظ الذكر وهو القرآن الكريم الدستور الالهي لمعجزة البعثة المحمدية الخالدة والكتاب الجامع لما جاءت به الرسالة الخاتمة ومن أهم المقومات التي أبقت الإسلام غضاً طرياً وخلّدت وجوده واسمه ورسمه إلى يومنا هذا وقد تجسد عنوان ذلك الحفظ بحفظه من النسخ بشريعة أخرى وحفظه من التحريف في نظمه وبنائه وهيئته العامة حيث أضفى عليه مسحة إعجازية خارت كل قدرة بشرية على الإتيان بمثلها ومجاراتها ولو بأقصر سورة من سوره إلى غير ذلك من أساليب الحفظ التي ساهمت في الإبقاء على هذا الدين من إجهاز وظفر الكافرين بها والملاحدة المناوئين لها و(ظلت هذه الرسالة سليمة ضمن النص القرآني دون أن تتعرض لأي تحريف بينما منيت الكتب السماوية السابقة بالتحريف وأفرغت من كثير من محتواها.

قال الله سبحانه وتعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وانأ له لحافظون).

واحتفاظ الرسالة بمحتواها العقائدي والتشريعي هو الذي يمكنها من مواصلة دورها التربوي وكل رسالة تفرغ من محتواها بالتحريف والضياع لا تصلح أداة ربط بين الإنسان وربه لان هذا الربط لا يتحقق بمجرد الانتماء الاسمي بل بالتفاعل مع محتوى الرسالة وتجسيدها فكراً وسلوكاً ومن أجل ذلك كانت سلامة الرسالة الإسلامية بسلامة النص القرآني الشرط الضروري لقدرة هذه الرسالة على مواصلة أهدافها. (1)

 

الخاصية العاشرة

القرآنية

أو المعجزة الأبدية الخالدة التي تميزت بها الرسالة المحمدية على ما سواها من البعثات والرسالات السماوية الأخرى بل لنقل تفوقت وازدانت وازدهرت بها فلم يزددها تطاول الأزمنة إلا إيناعاً وطراوة وجلاءاً ووضوحاً وعظمة.

ولم يزددها طول الشقة وبعد العهد بالصادع الأول بها إلا ثباتاً ورسوخاً وشموخاً وكلما كثر المعتقدون به والمنضوون تحت لواء هديه ونوره ازداد الكافرون حنقاً وحقداً وحسداً وبغضاً وعداءاً وأبدوا انكساراً وتضعضعاً وخواراً ولذا فالحديث عن ذلك الأمر منفصلا مما يستدعي إطلاق العنان للقلم إلا أن المقام يضيق ببيانه وإيفائه حقه ولذا نكتفي بما ذكره السيد الصدر رضوان الله تعالى عليه حيث يقول:

(إن بقاء القرآن نصاً وروحاً يعني أن نبؤة محمد صلى الله عليه و آله وسلّم  لم تفقد أهم وسيلة من وسائل إثباتها لان القرآن وما يعبر عنه من مبادئ الرسالة والشريعة كان هو الدليل الاستقرائي.. على نبوة محمد صلى الله عليه و آله وسلّم  وكونه رسولا وهذا الدليل يستمر ما دام القرآن باقياً وخلافاً لذلك النبوات التي يرتبط إثباتها بوقائع معينة تحدث في لحظة وتنتهي كإبراء الأكمه والأبرص فإن هذه الوقائع لا يشهدها عادة إلا المعاصرون لها وبمرور الزمن وتراكم القرون تفقد الواقعة شهودها الأوائل ويعجز الإنسان غالباً عن الحصول على أي تأكيد حاسم لها عن طريق البحث والتنقيب.

وكل نبوة لا يمكن التأكد من دليلها لا يمكن أن يكلف الله سبحانه وتعالى بالاعتقاد بها أو بالبحث عن وسيلة لإثباتها إذ لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها ونحن اليوم نعتمد في إيماننا بالأنبياء السابقين صلوات الله عليهم وبمعاجزهم على أخبار القرآن الكريم بذلك)، (1) وعلى أخبار النبي صلى الله عليه و آله وسلّم  وعلى المأثور عن عترته الميامين الذين هم القرآن الناطق بمنطقتهم وسلوكهم ومسيرتهم العلمية والعملية.

 

(الخاصية الحادية عشرة)

التغييرية

لم تكن أحكام الإسلام وقوانينه جافة ونائية عن واقع الحياة أو تفتقر الى روح التناسق والتناغم بين مفاهيمها ومصاديقها كما تقدم بيانه وتفصيله بل كانت في جوهرها ثورة من اجل الحياة الحرة الكريمة والسمو بالإنسانية إلى أعلى مراتب رقيها والإسهام في ازدهارها الحضاري ومدنيتها الفاضلة وكانت دواء السماء الفعال لداء البشرية العضال ومرضها المزمن حيث افتقارها لما  يكفل إيصالها إلى أحلام يقظتها وسعادتها .

نعم لقد جاء الإسلام ليغير حياة البشرية وليقيم المعوج من أمورها وليبعث النظم في كيانها والروح في جسدها والتكامل بين عوامل التأثر والتأثير في ربوعها وأرجائها فلا يفوت عليها فرصة ولا يحرمها من نعم هذه الحياة ولا يذرها تفل وتتضعضع في مقابلة شدائد الحياة ومقارعة نكبات الاقضية والأقدار.

نعم انه جاء لينتشلها من حالة الضياع والطيش والانفلات والتسيب واللامبالات والتخبط والتيه والعشوائية واللامركزية في المبدأ والعقيدة وأنماط التفكير والسلوك وجاء ليغير القوانين الحاكمة في المجتمعات إلى حيث الاستقامة والتوازن وحفظ الحقوق والكرامات والأنفس والإعراض.

وجاء ليغير النظرة العامة للحياة ويحدث نقلته الكبيرة للبشرية حيث المثالية والسمو المبدئي والارتباط الواقعي بالوجود ورب الوجود. فهو مجموعة نظم وقوانين وأحكام لا تعرف السدود والحدود والعوائق والموانع متى أفسح لها المجال لتأخذ دورها الريادي في الحياة.

وكل هذا سنبينه إن شاء الله تعالى في موسوعيتنا (القانون التشريعي الإسلامي لفقه الدولة) و(الدستور التشريعي الإسلامي لهيكلية الدولة) نسأل الله عز وجل التوفيق لإتمامهما والفوز بسعادة اختتامهما.

 

(الخاصية الثانية عشرة)

الخاتمية

(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الأحزاب – 40).

إن النبي الأكرم محمد صلى الله عليه و آله وسلّم الذي جاء بهذه الرسالة تميّز عن جميع الأنبياء الذين سبقوه بتقديم رسالته بوصفها آخر أطروحة ربانية وبهذا أعلن أن نبوته هي النبوة الخاتمة وفكرة النبوة الخاتمة لها مدلولان:

(أحدهما) سلبي وهو المدلول الذي ينفي ظهور نبوة أخرى على المسرح. (والآخر إيجابي وهو المدلول الذي يؤكد استمرار النبوة الخاتمة وامتدادها مع العصور وحينما نلاحظ المدلول السلبي للنبوة الخاتمة نجد أن هذا المدلول قد انطبق على الواقع تماماً خلال الأربعة عشر قرناً التي تلت ظهور الإسلام وسيظل منطبقاً على الواقع مهما امتد الزمن غير أن عدم ظهور نبوة أخرى على مسرح التاريخ ليس لأن النبوة تخلت عن دورها كأساس من أسس الحضارة الإنسانية بل لأن النبوة الخاتمة جاءت بالرسالة الوريثة لكل ما يعبر عنه تاريخ النبوات من رسالات والمشتملة على كل ما في تلك النبوات والرسالات من قيم ثابتة دون ما لابسها من قيم مرحلية وبهذا كانت هي الرسالة المهيمنة القادرة على الاستمرار مع الزمن وكل ما يحمل من عوامل التطور والتجديد.

(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) (المائدة – 48). (1)

(الخاصية الثالثة عشر)

نزاهة حملته

(وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم – 4).

(ولقد راودته عن نفسه فاستعصم) (يوسف – 32).

(فلما تبيّن أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) (التوبة – 114).

(إن إبراهيم لحليم أواه منيب) (هود – 75).

(أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم) (النور – 26).

لقد كان الهدف الأول الذي هتفت به كافة الشرائع السماوية والبعثات النبوية هو انتشال الإنسان من عالم الرذيلة والفساد والانحراف وربقة الشهوات البهيمية والانجراف في متاهات الجهل والعصبية إلى عالم العزة والكرامة والشرف والفضيلة والإنسانية الحقة.

ولذلك فمن الطبيعي أن يكون من الشروط الأساسية بل أبرزها التي ينبغي أن تحكم وجودها في كيان كل نبي أو رسول أو إمام أو وصي أن يكون معصوماً أي ممتنعاً ذاتاً من اللج في الخطايا والذنوب والآثام والرذائل مجانباً للصغائر والكبائر بادياً بمظهر الكمال الخلقي ملتزماً بجميل الخصال الفاضلة ومحاسن الأخلاق الكريمة لأن من كان هدفه وغايته ووظيفته هو تحقيق ما ألمحنا إليه لا يمكن أن يكون على غير ذلك وذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه ولنهب ونفترض أن منطقه كان على غير شاكلة منطقه ونصحه وإرشاده، فالأمر بلاشك وريب سيكون بؤساً وشقاءاً وسيؤول المصير إلى الفشل الذريع والانكسار الماحق الفظيع في مقام تأدية الرسالة وهو أمر تجل الرسالات السماوية عن الاتصاف به وتأنف عن الوقوع فيه وتتبرأ عن المشي على خطاه.

 

(الخاصية الرابعة عشرة)

العالمية

قال عز ما قائل: (وإنه لتنزيل رب العالمين) (الشعراء – 192).

(إن هو إلا ذكر للعالمين) (التكوير – 27).

وقال: (وما هو إلا ذكر للعالمين) (القلم – 52).

أي ذكر عالمي المبدأ والعرض والأهداف والأسس والرسالة والبعثة وقال تعالى:

(ما كان محمد أبا احد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الأحزاب – 40).

(فقال إني رسول رب العالمين) (الزخرف – 46).

(قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى العالمين) (الأنعام – 90).

وفيها بيان لمدى سعة نطاق دائرة الدين الإسلامي وبيان مدى قابليته الذاتية وشموليته الكيانية وقدرتها على تغطية عالم الإنسان لأنها كما تقدم عبارة عن جزء من كل مترابط متلاحم منبثق من منبع واحد مدبر حكيم مبدع خالق مفيض موجد.

(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساءاً) (النساء – 1).

وهذا هو الأخر أحد مظاهر عالميته الأصولية وعوامل حيويته الرئيسية التي تلتصق بالفطرة الإنسانية بما هي مجموع يدور في فلك قانون مشترك اسمه (النفس الواحدة) وهو بمثابة الماهية التي تسند البشرية في وجودها إليها وتعبر عن الحقيقة المشتركة الجامعة بين أفرادها ومصاديقها وانطلاقاً من ذلك نجد مظاهر العالمية في مبادئ الشريعة الخاتمة إنما تعتمد على مسايرة هذه الحقيقة الكلية وتحاول أن تسددها وتقوم بنيتها إلى ما فيه صلاحها من خلال النظرة الكونية الخالقة للوجود.

وقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (الحجرات – 13).

وهذا مظهر آخر مكمل لمظهر العالمية المتقدم وهو بمثابة البناء الذي يستند وجوده عليها ويبدو جلاء العالمية بأكثر قدر فيه والحديث عن دقائق هذا المطلب لا يسعه هذا الموضع إلا إننا نحيل القارئ إلى موسوعتينا المتقدم الإشارة إليهما وفقنا الله تعالى لإتمامهما ونشرهما.

 

(الخاصية الخامسة عشرة)

التوحيد

قال عز وجل:

(هذا بلاغ للناس ولينذروا وليعلموا إنما هو إله واحد) (إبراهيم – 52).

(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) (المائدة – 73).

(قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) (الرعد – 4).

(وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو) (التوبة – 31).

(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) (النساء – 1).

(وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع) (الأنعام – 98).

(هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها) (الأعراف – 189).

(ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير) (لقمان – 28).

(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) (المؤمنون – 52).

ونلاحظ معالم هذه الخصيصة من خلال:

1-    توحيد المبدأ الإعتقادي بالخالق والوجود والكون وما فيه طبق منهج متكامل دقيق.

2-    توحيد المبدأ السلوكي والبناء الخلقي وإقرار أسس المدنية الفاضلة والحياة السعيد.

3-    توحيد الكيان البشري وإلغاء العنصرية وعوامل الاختلاف والتفرقة والهدم لبنيانه.

4-    توحيد اللغة من خلال قرآنية عربيته وعالمية عربيته.

5-    توحيد المصير والتاريخ المشترك.

6-  توحيد العبادة والعادات والتقاليد في إطار ما نظمه من خلق وأدب وسلوك إلى غير ذلك مما يلحظ ويدرك من خلال النصوص التي تلوح لنا بجلاء بهذا المبدأ وتسرد مصاديقه وعناوينه بما لا حاجة لبذل المزيد في إيضاحه وبيانه.

 

(الخاصية السادسة عشرة)

(حتمية التطبيق وإقرار أسسه ومبادئه)

(تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) (النساء – 61).

(آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم) (محمد – 2).

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة – 44).

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (المائدة – 47).

(وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) (البقرة – 213).

(ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) (محمد – 9).

(فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون) (البقرة – 59).

(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله) (البقرة – 159).

(وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا) (الأنعام – 155).

(كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) (إبراهيم – 1).

وما ذلك إلا لأن نظام التكوين الطبيعي المستمد وجوده من سلطة حكمة التدبير الإلهية يفرض بطبيعة الحال وانطلاقاً من لزوم إيجاده التوازن والانضباط والتناسق وبمقتضى حاكميته الهادفة من وراء ذلك الإقرار والإلزام في الوجود المادي والمعنوي الجسماني والروحاني الصامت والناطق النامي والجامد لا نجده يتخلف تكويناً عن جملة كثير من الأمور بل كافتها في الوجود إلا ما يرتبط بلوائح التشريع التكليفي للإنسان فإنّه كلف على جهة الإلزام للعمل بها وعدم التخلف عنها إلا إن الإنسان ولما يتمتع به نجده قد عطل الكثير منها عتواً وطغياناً حيناً ونكراناً وكفراناً حيناً أخرى.

 

(الخاصيّة السابعة عشرة)

الأُمَمِيَّة

>إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون< (الأنبياء ــ29).

>يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند اللّه أتقاكم< (الحجرات ــ31).

( الخاصيّة الثامنة عشرة )

العزّة والسمو والرفعة

>من كان يريد العزة فللّه العزّة جميعاً< (فاطر ــ01).

>ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين< (آل عمران ــ931).

>وللّه العزّة ولرسوله وللمؤمنين< (المنافقون ــ8).

>وكلمة اللّه هي العليا< (التوبة ــ04).

( الخاصيّة التاسعة عشرة )

قدسيّة العهود والمواثيق

>من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه< (الأحزاب ــ32).

> وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد اللّه أوفوا< (الانعام ــ251).

>وأوفوا بعهد اللّه إذا عاهدتم< (النحل ــ19).

>وأوفوا بالعهد إن العهد كان عنه مسؤلاً< (الإسراء ــ43).

>بلى من أوفى بعهده واتقى فإن اللّه يحب المتقين< (آل عمران ــ67).

>فأتموا إليهم عهدهم إلى مدّتهم< (التوبة ــ4).

( الخاصيّة العشرون )

المثـاليّــــة

>ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه للّه وهو محسن< (النساء ــ521).

>وإذا حييتم بتحيّة فحيوا بأحسن منها أو ردوها< (النساء ــ68).

>بشِّر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه< (الزمر ــ71ــ81).

>وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن< (الإسراء ــ35).

>ولا تجادلوا أهل الكتاب إلابالتي هي أحسن< (العنكبوت ــ64).

>اللّه نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني< (الزمر ــ32).

> واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربّكم< (الزمر ــ55).

>ومن أحسن قولاً ممن دعا الى اللّه وعمل صالحاً< (فصلت ــ33).

>الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً< (الملك ــ2).

الخاصيّة التاسعة عشرة

 

(الخاصيّة الحادية والعشرون)

البرهانيّــة والاقناعيّــة

>تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين< (الأنبياء ــ42).

>ءاله مع اللّه قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين< (البقرة ــ111).

>أم اتخذوا من دونه ألهة قل هاتوا برهانكم< (النمل ــ46).

>ها أنتم حاججتم فيما لكم به علم فلِمَ تحاجّون فيما ليس لكم به علم< (آل عمران ــ66).

>قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين< (القصص ــ94).

... هذه هي خصائص الوحي المنزل وهذا هو الاسلام في أخصر عبارة وأروعها فهو عقيدة معنوية وخلقيّة ينبثق عنها نظام كامل للإنسانية يرسم لها طريقها الواضح المحدد ويضع لها هدفاً أعلى في ذلك الطريق ويعرفها على مكاسبها منه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مدخل في كلمة التاريخ

عرّف مجمع اللغة العربية في القاهرة التاريخ بأنه عبارة عن ذلك السجل الذي يضم بين دفتيه جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما وتصدق على الفرد والمجتمع كما تصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية.

وقال آخرون بأنه التوقيت كما صرح به في القاموس ورأى ثالث يقول بأنه تعريف الوقت ذكره ابن منظور في لسانه وآخرون.

وهي تعاريف ركيكة لا تصمد أمام النقض إلا انه يهون الخطب بعد إرجاع الأخيرين إلى المعنى اللغوي وإن كان تأباه حمية التحقيق العلمي خصوصاً إذا علمنا أنه مصطلح حادث لم يؤثر عن العرب ولم يرد نقل له على لسان أحدهم في عصر ما قبل الإسلام كما فصلنا القول فيه في كتابنا (دائرة المعارف العلمية لطلاب العلوم الإسلامية) وفقنا الله تعالى لإتمامه والفوز بسعادة اختتامه مضافاً إلى إننا نمتلك تاريخاً مجهول الفترة الزمنية على التحقيق أو مجهول الشخصيات وقسماً آخر مجهول كليهما وان شذ وقلّ وقسماً آخر معلوم الفترة الزمنية أو الشخصيات فقط أو كليهما وهو الأغلب.

وبعد هذا العرض نجد أن التعريفين المشار إليهما لا يضمان إلا بعض أفراد التاريخ وشقوقه ولا يعدان جامعين مانعين.

والتعريف الأول هو الآخر لا يصمد في وجه التحقيق العلمي لأمرين:

(الأول) انه خصه بما دوّن وقيّد بين دفتي كتاب وهو أشبه شيء يخرط القتاد لأن التاريخ ككل إنما هو وقائع وأحداث جرت رحاها على ساحة الواقع والحياة ثم عرض لبعضها التدوين فالتاريخ في الأصل والحقيقة عبارة عن أصل تلك الأحداث والوقائع والظواهر بما هي هي، لا بما هي مدونة أو مكتوبة في سجل.

(والثاني) حصر التاريخ بالأحوال والأحداث التي يمر بها أي كائن ما في الوقت الذي يتناول التاريخ في أبحاثه أمور أخرى كالتي تتعلق بذات ذلك الكائن وبالخصوص إذا كان إنساناً كتاريخ الفكر الحضاري وتطور الذهنية البشرية وغير ذلك من خلال ثلاث اتجاهات وميادين متلاحمة مترابطة.

وأما الكلام على اشتقاق كلمة التاريخ من المواد اللغوية ففيه أقوال خمسة: فأما ابن منظور في لسان العرب فقد قال في كتابه لسان العرب بصدد ذلك ما نصه: التاريخ مأخوذ من لفظ الأرخ بمعنى ولد البقرة الصغيرة لأنه يشبه الشيء الحادث كما يحدث الولد فهو حدث جديد. وابن فارس في معجم مقاييس اللغة خالفه في إطلاق كلمة (أرخ) على ولد البقرة الصغيرة وصرح بأنها اسم لبقر الوحش.

هذا هو خلاصة القول الأول وممن جنح إله المطرزي في المغرب.

أما (القول الثاني): فيذهب إلى أن أصل التاريخ (التأخير) صارت إلى ما صارت إليه عن طريق القلب المكاني كما نوضحه لك بهذا الرسم البياني:

 

                        1      2      3      4      5

                      (ت)      (أ)    (خ)    (ي)    (ر)

 

                        1      2      3      4      5

                       (ت)    (أ)     (ر)    (ي)    (خ)

 

ذكره المطرزي في المغرب ولم ينسب إلى قائل على جهة التعيين وهو وجيه أقوى من غيره.

(وأما القول الثالث) فيذهب إلى أن الكلمة ليست عربية في الأصل وإنها مأخوذة عن أصل فارسي وهذا الأصل هو (ماه روز) أي: (يوم الشهر) فحين عربت هذه الكلمة فيما زعموا صارت (مؤرخ) ومنها كانت كلمة التاريخ وحكى هذا القول عن البيروني في كتابه الآثار الباقية والخوارزمي في كتابه مفتاح العلوم ولا يخفى ما فيه من تكلف وبعد.

قال ابن فارس في مجمعه: وأما تأريخ الكتاب فقد سمع وليس عربياً ولا سمع من فصيح وردت دعواه هذه في كتاب الجمهرة (ج2 ص216) بما ذكر عن يونس وأبي مالك من إنهما قالا بأنهما سمعاه من العرب, وفي المجمل قال: وتأريخ الكتاب كلمة معربة معروفة لكنه لم يذكر أصلها الذي أخذت منه ويقرب من ذلك ما صرح به المطرزي في المغرب بقوله: وقيل ليس بعربي محض.

وقد عثرنا بعد الفحص والتتبع على مستند دعوى كون كلمة تأريخ تعريب- (ماه روز) ما رواه عن العامة العلامة المجلسي في البحار في كتاب السماء والعالم في باب السنين والشهور حيث جاء فيه أن عمر جمع الصحابة واستشارهم فيما يضبط به الأوقات فقال له الهرمزان ملك الأهواز وقد اسلم على يديه حين أسر وحمل إليه: إن للعجم حساباً يسمونه (ماه روز) وأسنده إلى من غلب عليهم من الأكاسرة وبيّن كيفية استعماله فعربوا (ماه روز) بمؤرخ وجعلوا مصدره التاريخ... الخ.

وأما (القول الرابع) فيذهب إلى أن معنى كلمة التاريخ انتهاء الغاية بقوله: تاريخ كل شيء غايته ووقته الذي ينتهي إليه, ومنه قيل: فلان تاريخ قومه أي إليه انتهى شرفهم ونسب إلى الصولي.

(وهناك قول خامس) يذهب إليه المستشرق (جب) بزعمه إن كلمة التاريخ كلمة قديمة ومشتركة في اللغات السامية تلوح القرابة بينهما وبين كلمة (برج) في العبرية ومعناها (القمر) و(الشهر) ويضيف بقوله: ومن المعروف أن الساميين كانوا يحددون شهورهم بالقمر لا بالشمس ولذلك كانوا يبنون تاريخهم على الليالي دون الأيام كما هو الحال في التقويم الهجري الآن.

ويعقب على قوله هذا الدكتور نصار الذي يرتأي هذا القول ومؤيداً له بقوله في كتابه نشأة الكتابة الفنية:

وعلى هذا الرأي نرى أن معنى كلمة التأريخ في مبدأ أمرها كان تحديد الشهر ثم اتسع فصار التوقيت العام أي تحديد عهد أي حادث من الحوادث ولازالت اللغة في تطورها حتى شمل هذا اللفظ رواية الحادث نفسه من جهة وتحديده من جهة أخرى وكانت هذه الخطوة الأخيرة في سبيل بزوغ كلمة التاريخ بالمعنى الاصطلاحي المعروف. (1)

أقول: وهو قول ركيك يفتقد كل قيمة علمية للغاية والذي يتراءى منه أنه محاولة تآمرية مفضوحة يروج لها الدكتور نصار في محاولة لاستعراض بعض جذور اللغة العربية وربطها بالثقافة اليهودية وبيان فضيلة جهلها العرب أنفسهم لليهود على العرب ولم أقصد من ذكر هذا القول هنا إلا التنبيه على ما في هذا القول من تآمر مستبطن وأيدي صهيونية تهدف إلى ضرب الثقافة العربية وأصولها التي ترتبط بالقرآن الكتاب السماوي الخاتم ارتباطاً مباشراً في محاولة يائسة منهم لبث سموم وأفكار ملتوية مستهجنة تهدف في النهاية إلى غاية خبيثة وطموحات هدامة شريرة.

 

أهمية تاريخ العظماء

ليس الحديث عن العظماء وتاريخهم حديثاً عن مجرد أشخاص نبغوا في أزمنة معينة وفاقوا أقرانهم في ميادين خاصة من حقول المعرفة والثقافة بل الحديث عن العظماء له طابع خاص وسمة متميزة وأهمية بالغة تنبع من أهمية العلم وعظمة دوره في تسيير دفة الحياة بكافة أشكالها وميادينها وأنماطها وصورها.

ذلك أن العلم الذي هو وجود يناقض حقيقة الجهل الذي هو عكسه لا تعرف له حقيقة وجوهر ووجود إلا بوجود أولئك العظماء حيث يكونون وعاءاً لحمله وظرفاً لاستيعابه وضمه ومنبعاً لرواده ومنهلاً لراغبيه وشرعة لشاربيه ومناراً لهديه ومشعلاً تستضيء به البشرية ومعاول هدم تقتلع كل لون من ألوان التخلّف والضياع والتيه والحيرة.

فالعلم بأنفاسهم وبقدر بذلهم يصول في صراعه مع الجهل بكل مظاهره وصوره ويجول في حلبات وسوح الجهاد ضد الضلال والانحراف والشقاء والبؤس والعناء.

فهو وجود بوجودهم وعدم بعدمهم وانعدامهم وزوالهم ولذا ورد في لسان بعض الأحاديث: (العالم حي بين أموات) و(الجاهل ميت بين أحياء) وانه (إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء) وغير ذلك الشيء الكثير. ولأنهم المصاديق الواقعية لحملته والسواعد الظاهرية لتجلي حقيقيته وآثاره ومشاعل تبليغه ونشره والعمل به.

ومن هنا نجد كيف أن الأمم والملل والنحل والشعوب على اختلافها دائماً تقدّس عظماءها وتتمجد بذكرهم وتفتخر أيما افتخار بين الأمم الأخرى بهم وتجعلهم تاج فخرها وعزتها على مر الدهور وتعاقب العصور المتطاولة.

فهم ذخرها وذخيرتها ودثارها ولذلك تسعى جاهدة وتحاول دوماً أحياء مآثرهم وآثارهم درساً وتفهماً واعتباراً إن كانوا قد غادروا هذه الدنيا وتحف بهم وتحيطهم بعنايتها وتشكر لهم مساعيهم وعطاءهم وجليل خدماتهم وبالغ نفعهم إن كانوا أحياءاً يرزقون بينهم.

وعظماء الإنسانية عند المسلمين طبقات:

(الطبقة الأولى) الرسل والأنبياء وأفضلهم خاتمهم الرسول الأكرم محمد بن عبدالله ابن عبدالمطّلب صلى الله عليه و آله وسلّم .

(الطبقة الثانية) طبقة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام وأولهم أمير المؤمنين يعسوب الدين علي بن أبي طالب وآخرهم الإمام المهدي المنتظر حجة الجبار والغائب عن الأبصار ناصر الإيمان وكاسر المشركين والكفار.

(الطبقة الثالثة) حواري الأنبياء والرسل والنبي الخاتم صلى الله عليه و آله وسلّم من الصحابة المقربين الأجلاء كسلمان وأبي ذر والمقداد وإضرابهم.

(الطبقة الرابعة) العلماء الفقهاء الأجلاء المحققين النبلاء والأولياء الصالحين العرفاء ممن دان بالمذهب الحق وللمعصومين الأربعة عشر بالولاء.

 

معطى الفقهاء العلمي والفكري والثقافي

الفقهاء هم أولئك النخبة من الأخصائيين والاختصاصيين الذين انقطعوا بكلهم لفهم تلك الأحكام التكليفية والسعي لاستنطاقها كما أراد مشرعها وفق موازين خاصة وبذل الجهد للإحاطة بجزئياتها التفصيلية وعناوينها الإجمالية الكلية والقيام بوظيفة بثها ونشرها عن طريق التبليغ والبيان مشافهة والتدوين بالكتابة والتحرير من أجل العلم بها والعمل وفقها.

ومن هذا الدور الرسالي تبرز أهمية أولئك النخبة وتبرز الحاجة الماسة إليهم في داخل كيان المجتمع ولبناته الأسرية من خلال جملة العناوين الوظيفية التالية:

1- التحلي بالروح الاجتماعية وتقدير نفسه وحالته المادية والظاهرية بضعفة الناس لئلا يتبيغ بالفقير فقره ويفقد ثقة المعوزين والمحرومين.

2-   التحلي برحابة الصدر وسعة البال والنظر إلى الناس على اختلاف شخصياتهم وطبقاتهم نظرة سواء.

3- العناية بالمصالح الفردية بما هي جزء من كل في داخل المصالح العامة الجماعية وذلك عن طريق الدفاع عن المحرومين ورد ظلامات المظلومين والاقتصاص من الباغين ونشر العدل وحفظ الحرمات وقطع دابر الفساد والانحراف بإقامة الحدود وفق موازينها.

4- رفع حاجات المعوزين والمتضررين وقبض الحقوق الشرعية وصرفها في جهاتها ومواردها في بناء المدارس والمستشفيات وكافة المرافق العامة الضرورية وتقوية شوكة الحوزات الدينية ونشر الثقافة والفكر الإسلامي والقضاء على الجهل بكافة أشكاله وصوره وحقوله وشقوقه وأنماطه.

5- التوعية الخلقية والسلوكية والعلمية والعملية سواء كان عن طريق مباشر عبر الخطب والوعظ والإرشاد والتدريس أو عن طريق بناء مدارس وإنشاء المعاهد والكليات في كافة التخصصات ونحو ذلك والتصدي لاستقطاب الكوادر اللائقة والكفاءات التي يحتاج اليها المجتمع الإسلامي.

6-   إيقاظ الحس الإنساني وإشغال جذوة الوجد الحر والسمو به من أجل بناء مجتمع المدنية الفاضلة الحرة الكريمة.

7-   بعث روح إباء الذل والهوان وخاصةً في هذه الإعصار والأزمان والوقوف في وجه طغيان السلطان ومردة الشيطان.

8- الحث على توحيد الصف وتآلف القلوب وتلاحم المشاعر والعواطف ونبذ الخلافات بين الأفراد ابتداءًا من الزوجين في داخل كيان الأسرة ومروراً بالتكتلات العرقية و الطائفية وإنتهاءاً بالشؤون الإسلامية العالمية ومصالح قاطبة المسلمين في العالم والدفاع عن بيضة الإسلام .

9- تنمية روح الاحترام المتبادل والاهتمام بالمظاهر الخلقية الخيرة الكريمة والتحلي بالكمالات السلوكية ورعاية الحقوق وتنمية الحس الاجتماعي بالحث على توطيد أوصر العلاقات الأسرية والجماعية.

10-  تسنم الريادة العملية في مقام الالتزام المطلق بأوامر الشريعة واجتناب المحرمات والمكروهات والتحلي بالفضائل ومحاسن الأعراق وجميل الأخلاق.

11-  إحياء مآثر الأسوة الصالحة والقدوة المثالية الإنسانية المتمثلة بالرسول الأعظم والنبي الأكرم وأهل بيته المعصومين وعترته المنتجبين الميامين عليهم أفضل الصلاة والسلام عن طريق العلم والعمل.

12-  الارتباط التام بالدستور الإلهي القرآن الكريم واستنطاقه بتوسط أئمة وعايته وحملته في جملة حلاله وحرامه وحكمه وتشريعه ومبادئه وقيمه.

وكل هذه الوظائف إنما هي أمور تكليفية ضرورية لكل فقيه جامع للشرائط متى ما مكنه الناس وفسحوا له المجال وليست أموراً اختيارية بيده أن يعزف عنها أو عن بعضها بمحض اختياره وإرادته وإن كنا نراه أنه قلما من كان منهم في خلال الإعصار المنصرمة قد صار إلى العمل بها والتزامها ومن المؤسف جداً أنه لازالت هذه الظاهرة موجودة في عصرنا هذا حيث التسيب عن تحمل أعبائها والتهكم من تباعاتها المضنية الشاقة.

نعم إن الأساس الذي يبتني عليه مفهوم الفقاهة والاجتهاد بطابعه الأصيل إنما هو في بادئ بدء يكون في المجال النظري العلمي ثم العملي بمقتضى سعة أحكامه التي وسعت كل ما قدمنا ذكره من تلك الوظائف بل وأكثر منها وهذا هو المحك الأصيل الذي يمحص به كل مدع للفقاهة في كل عصر بما فيه عصرنا الحاضر وبالخصوص في الحواضر الرئيسية لانتهال المعارف الدينية من أمثال النجف الأشراف ومدينة قم اللتين تعدان في وقتنا الحاضر من أهم مراكز الفكر الديني الشيعي والإشعاع الثقافي المذهبي.

ولو ألقينا بإطلالة خاطفة على طلاب العلوم الدينية فيهما وفي مطلق الحوزات الأخرى وحاولنا استكشاف الدوافع التي كانت عاملاً رئيسياً في تحفيز إرادتهم وميولهم للانجذاب والانضواء لطلب المعارف الربانية والثقافة الدينية الإسلامية تحت لواء الحوزات الدينية العلمية لانتهينا إلى أن خير ما ينبغي أن يقال بصدد هذا المضمار هو الحديث المروي عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول: (طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم صنف يطلبه للجهل والمراء وصنف يطلبه للاستطالة والختل وصنف يطلبه للفقه والعقل فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلى من الورع فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطم فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً مقبلاً على شأنه عارفاً بأهل زمانه مستوحشاً من اوثق إخوانه فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه الحديث). (1)

والذي يسترعينا الانتباه من بين هذه الأصناف الثلاثة هو الصنفان الأولان منها حيث إمكانية اجتماعهما في شخص واحد وتحقق انفكاكهما من حيث الصدق والانطباق على عناوينها الخارجية كما انه يمكن تصنيفهما إلى طبقات وأصناف متعددة تندرج تحت مفهومهما تبعاً لاختلاف ذلك الصدق شدة وضعفاً كما هو حال الكلي المشكك ومن أفظع نماذج أولئك هؤلاء الذين يعيشون اليوم في الحوزات العلمية ويتسابقون فيما بينهم على ألقاب التعظيم وعبارات التبجيل قد أقحموا أنفسهم قسراً وقهراً بين من تسنم مرتبة الفقاهة من دون اتصاف بمؤهلات كافية وامتلاك رصيد علمي مرموق.

نعم إن الألفاظ وضعت للدلالة على ما في الوجود من حقائق معنوية ومادية والتعبير عنها بحسب قدرتها الدلالية وفق موازين الاصطلاح والتواضع والشيوع والذيوع ثم أن الألفاظ بكافة شقوقها البيانية والدلالية من حقيقية ومجازية ومنقولة ومرتجلة وكلية جزئية ومعنوية وعينية وغير ذلك إنما استحقت قيمتها الدلالية لصدق تعبيرها البياني والتصاقها بحقائقها الوجودية التي وضعت في قبالها وليس لها تأثير سحري لمن وصف نفسه بها بما يمكن أن يطلق عليه قابلية إيجاد نقله تحولية أو طفرة جذرية في مسمياتها بحيث لو أطلق على الميت انه حي أحيته والحي انه ميت أماتته أو انه إذا سمينا دولة صغيرة متخلفة فقيرة بالإمبراطورية وحاكمها بلقب شاهنشاه (ملك الملوك) لرفعت من قيمة تلك الدولة وجعلتها في مصاف الدول القوية المتحضرة وسمت بها من حضيض ماهي فيه من تخلف وتأخر وفقر وفاقة وكذلك شأن الأشخاص في الحوزات الدينية فهل ترفع الألقاب مجردة من مكانتهم وتؤثر في لبهم وكيانهم وأعماقهم وذاتهم بحيث يصبح كل من لقب نفسه بالعالم الكامل وفلك النباهة والفقاهة ومرجع الشيعة وعماد الشريعة كذلك حقيقة.

لو كان الأمر كذلك لما احتجنا إلى مدارس ومعاهد ومستشفيات.. الخ بل لما أصبح هناك وجود اجتماعي له قوانينه الحاكمة فيه ولشاع الهرج والمرج واختلط الحق بالباطل وعم الغلط واللغط وآل الأمر إلى الهرج والمرج.

ولنترك الحديث للمرحوم الشيخ محمد جواد مغنية فإنّه قد كفانا مؤنة بقية الحديث حيث قال في كتابه (صفحات لوقت الفراغ) تحت عنوان الألقاب ما لخصه:

أنا أكره الألقاب واشعر بنوع من الكراهية الصارمة لمن يحبها ويتهالك عليها وأراده شيئاً غريباً ومنفصلاً عن واقعه وكل إنسان ينفر بفطرته ممن يخرج عن الاعتدال إلى التطرف في أي شيء كان إن معرفة النفس وتقديرها بما تستحق هي الخطوة الأولى في طريق النجاح وانسجام المرء مع نفسه وواقعه ومن أعطى نفسه فضائل ليست فيه فقد عاش في جنة الأساطير تماماً كذاك الطفل المدلل سأل أباه أن ينزل القمر من كبد السماء ليلعب به فطبولاً أو كهذا الشيخ الذي كتب بالخط الطويل العريض على ما جمع وطبع تصنيف فلك الفقاهة سلطان قلم التحقيق والنباهة شيخ الطائفة وقدوة مجتهدي الفرقة المحقة نائب الإمام وباب الأحكام غياث المسلمين وحجة الإسلام آية الله في الأنام الفقيه المخالف لهواه... الخ. قطب وفلك وسلطان وغياث وباب وآية ونائب وحجة.

ولا مدلول وراء ذلك إلا الأحلام ومضغ الكلام ولا أدري كيف وصف هذا الشيخ نفسه بالعلو والشموخ أو رضي به على فرض أنه من غيره وهو مخالف لهواه وزاهد في الرفقة والجاه؟ ولهذا الشيخ المغرق في المتاهات أكثر من شبيه ويا للأسف.

إن مكانة الإنسان وشخصيته تنبع من ذاته ومواهبه لا من الأزياء والألقاب ولكن الذي يشعر بالنقص في نفسه قد يخيّل إليه أن الكلمات والألقاب تسد ما فيه من فراغ... يرفض الإسلام الطبقية وألقابها وكان النبي صلى الله عليه و آله وسلّم يكرهها.

ويؤكد أنه بشر مثل الناس وعبد من عباد الله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا يعلم الغيب وأنه ابن امرأة كانت تأكل القديد وأنه يجوع ويعطش ويمرض وينام وما هو بوكيل ولا بمسيطر على أحد، أما حق الولاية له فهي في طاعة الله ودينه وشريعته في الحق وصالح الفرد والجماعة واشتهر عنه وعن أهل بيته عليهم السلام (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

يوم كان للعالم الإسلامي حول وقوة وعلم وحضارة كان للألقاب حد محدود لا يتعداه فالخليفة وأمير المؤمنين لقب لرئيس الدولة الكبرى والفقيه أو العالم لقب العارف بدين الله وشريعته ولما تفتتت قوة المسلمين إلى دويلات وإمارات واضمحلت الحضارة الإسلامية وساد الجهل والتخلف كثرت الألقاب الفارغة في الأوساط السياسية والدينية وتسمى أمير القطر والناحية بالمنتصر والناصر والقادر والمقتدر والمظفر والظافر حتى قال الشاعر الساخر:

ألقاب مملكة في غير موضعها          كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد

وأطلق لقب علامة وإمام وآية وحجة الإسلام على كل ذي جبة وعمة بلا مراعاة النظير حتى اختلط الحابل بالنابل وتدنس الطاهر النقي ورخص العالم التقي يضاف إلى ذلك إلصاق تهمة الخيانة والعمالة ببعض المتسمين باسم الدين الذين يحرّفون وأحكامه لمصلحة أعداء الله والإنسانية وهذا أعظم ما رزئ به الإسلام والمسلمين.

وهكذا كل مزيف يستغل ستاراً مقدساً يعمل باسمه للخداع والتضليل ومن قبل حمل معاوية وابن العاص قميص عثمان ورفعا المصاحف باسم الله ومحمد صلى الله عليه وأله وسلّ:م (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وهم لا يشعرون) (البقرة – 9). (1)

أقول: ولم يقف الحد عند ذلك بل سخرت الأموال الشرعية في طريق كتابة تلك الألقاب بماء الذهب على السيراميك المعرق في واجهات المتاحف المعمارية المسماة بالمدارس الدينية وفي البذخ المعماري والسيراميك والبوابات الخشبية الضخمة وأحواض المياه التي استهلكت الملايين في الوقت الذي يعتصر فقراء الشيعة الجوع والظمأ ويختنقهم الفقر وتلفح أجسادهم أشعة الشمس الحارقة في العراء وتنهش أبدانهم أسنان البرد القارس في بواديهم وأريافهم وقراهم ومدنهم في لبنان وأفغانستان والخليج والعراق والهند وباكستان وكشمير واندونيسيا وغيرها.

وسؤال آخر نطرحه هل صنف أولئك أصحاب ألقاب العظمة والجلالة أو بقدرته الإجابة عن كل مشكلة ومعضلة تواجه حياتنا في هذا العصر المعقد بشكل رهيب كما هو المفروض والمطلوب من فقهاء القرن العشرين كما كان دور فقهاء الأعصار السالفة؟ بل هل بإمكانهم التعبير عن الإسلام وأحكام القرآن ومذهب التشيع في دائرة أوسع من دائرة كتيبات المسائل المستحدثة التي أصبح كل واحد منهم يحاكي الآخر في متنها مع تغيير طفيف في فتاويها بل سرى الداء في الرسائل العملية فكلها أصبحت تعاليق على العروة الوثقى وكل يدّعي أن حاشيته تلك أولى وأحرى.

وأما دعوى ضرورة الحفاظ على طرق الاستدلال في بحوث الخارج في الحوزات على الطابع التقليدي الموروث وأن في تعاهده بقاء الإسلام بصورته الأصلية والنقية فهذه الدعوى إن دلّت على شيء فإنما تدل على قصور فهم الأدلة نفسها بل قصور في معرفة طبيعة الإسلام ومرونته التشريعية مع ثباته في الأصول والأحكام الكلية بل تدل على ما اشتهر عنهم من قيامهم بتلفيق عبارات بحوثهم من المسالك والحدائق والجواهر ليس أكثر.

ولنسأل عن طبيعة تاريخ التدوين الفقهي في عصر الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام ثم في فترة المرحلة التي تاخمت عصر الغيبة الصغرى ثم بداية الكبرى حيث كانت الأصول الأربعمائة الروائية ثم عوضت بالكتب الأربعة المنظمة تنظيماً علمياً والتي أولها الكافي ثم فقيه من لا يحضره الفقيه ثم التهذيب والاستبصار وانه كيف كانت التدوينات الفقهية مقتصرة على الإفتاء بالنص الروائي ثم جاء شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي وقام بنقلة كبيرة في التدوين الفقهي بأوسع أبوابه الاستدلالية قياساً بالفترة التي سبقته.

واستمر الحال على نهجه إلى زمن ابن إدريس الذي كان أول من اعترض عليه وناقش استدلالاته بعد أن لم يكن يجرؤ أحد على ذلك وتوسع هذا النمط من الاستدلال بشكل أكثر فأكثر إلى ما قبل زمن فقيه أهل البيت العالم العلامة المتبحر الشيخ يوسف شيخنا المترجم الذي ختم تلك المراحل بأبلغ ما يمكن أن يتصور للاستدلال والبحث والعرض الأصيل وقدم كتابه الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة وعرض كيفية الاستدلال بأوسع أبوابها وأفسح طرقها وأساليبها فحاكم كل من تقدمه من الأعلام والمشاهير ووضعهم على محك الدليل وأرجع القول الفصل إلى المعتبر من الأدلة الشرعية وعرى كل حجة زائفة تشبث بها سلفه من دون إمعان فكر وإنعام روية وحطم كل بدعة استسلقها المتأخرون على غفلة وسهو وزلة وأرجع الأصالة التي ينبغي للدين أن يكون عليها من دون تحريف الغالين وتأويل المبطلين فحق له أن يتسنم مجد التجديد للمذهب في عصره بما قدم من عطاء وجهد علمي وفكري وكل من جاء بعد عصره على منواله احتذى وبمسلكه اقتدى من دون نكران لفضل أو اتهام بعثرة.

والسر في تلك التحولات الجذرية في تاريخ التدوين الفقهي أن الشريعة الخاتمة بحاجة إلى تجديد منهج طرحها في كل عصر بما يلائم ظروفه العلمية ومستوى أهله الفكري والثقافي مع الحفاظ على النص الشرعي وفهمه بمقتضى أساليبه اللغوية الأصلية ومعاملته وفق القواعد الثابتة المقررة المنصوص عليها والالتزام بقواعد الاستنطاق المعتبرة المنقولة عن الأئمة المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام مؤيدة بما فهمه الأوائل من العلماء الإبدال وجملة هذه الأمور هي الأساس في حفظ الأصالة التشريعية للدين الخاتم لا الالتزام بمتن المسالك فقهاً واستدلالاً أو الابتناء على ما سطره المحقق الشيخ محمد حسن النجفي في جواهر الكلام الذي هو من مقلدة صاحب الحدائق وعيال عليه.

ومن الجرم والإجحاف بحق الدين الإسلامي وأصالته أن لا يبحث القسم الأكبر من الفقه في الحوزات وبالخصوص فيما يتعلق بفقه الدولة الإسلامية وهيكليتها على الرغم من الصيحات المتعالية من بقاع العالم الإسلامي المطالبة بتشكيل الحكومة الإسلامية في ربوعه ونبذ أنظمة الكفر والإلحاد التي فرضها الاستعمار بالقهر والغلبة بل وعرض مفاهيم الإسلام وأحكامه وأصوله ومبادئه بصورتها الواقعية الأصلية الخلابة بالنحو الذي يناسب هذا العصر.

وإني على يقين أن صاحب الحدائق الذي يعد صاحب أكبر نقلة تاريخية في التدوين الفقهي لو ظهر في هذا اليوم أو عاشر إلى هذه الفترة الزمنية التي نعيش فيها لصنف كتاباً آخر علم فيه كافة الفقهاء والعلماء في هذا العصر كيف ينبغي أن يطرح الفقه من الناحية العلمية الاستدلالية ويورد فيه كيف ينبغي أن تصاغ العناوين الفقهية صياغة عصرية مع تغيير في التسلسل الموضوعي مؤيداً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والروايات المعصومية وأقوال الفقهاء الماضين وعظماء الفقه في العهود الغابرة بنفس الروح الأصلية التي تحلى بها في تدوين كتابه الحدائق والخط العلمي الرصين المدعم بالأدلة والبراهين والمطعّم بالبيان والتبيين بما يؤدي إلى جلاء الزيف والبهتان عن الدين بيقين بالنحو الذي عهد منه وألف عنه واشتهر به.

ولا يلام من نجده اليوم من الناس كيف لازال يرجع إلى تقليد الشيخ يوسف قدس سره على الرغم من طول الفرقة وبعد الشقة الزمنية لأنه لم يرَ من له القدرة على مجاراته علماً وورعاً وتقوى وعلى الإبداع في عرض الدين عرضاً يفوق عرضه أو يقرب منه من الأحياء بل رأى أن كل من جاء بعده قلده بشكل أو بآخر مع تحوير وتغيير وإعماء فعزم على التزام الأصل في الطريقة فإنّه أولى وأحرى وأبلغ وأحوط وأجلى وأضبط وكذلك الحال في أخيه علامة زمانه وفريد دهره وأوانه الشيخ حسين العصفوري كما سنفصل الحال في شأنه في دراسة وكتاب آخر يليق به إن شاء الله تعالى.

لقد برز عملاق من عمالقة الفقه والفقاهة في زمننا الحاضر ألا وهو الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه وصنف وألف من الكتب (اقتصادنا وفلسفتنا والبنكم اللا ربوي و.... ) ما افتخر به عامة أهل الإسلام فضلاً عن شيعة أهل البيت إلا أن يد الغدر والبطش البعثية الكافرة الغاشمة في العراق امتدت إليه لتحرم العالم الإسلامي من عطائه ونتاجه الذي لو قدر له الاستمرار لكان للإسلام كنظرية عالمية شأن آخر غير ما نرى اليوم من ضعف وضعة وخوار  فهل يجود الزمان بمفكر عملاق وفقيه واعي مثله لكي يواصل المسيرة ويشيّد بجهوده معالم الدين النيرة بآثاره الباهرة .

وملاحظة لا نغفل التنبيه عليها وهي أن فكرة (أن الفقيه لابد له أن يتخصص في الفقه لا غير مضافاً إلى مقدماته شأنه كشأن صاحب أية صنعة) ولا دخل له في اقتصاد ولا فلك ولا طب  فإنما تشعر أن أولئك الذين يروجون لها في وسط الحوزات إنما هم أولئك الذين خليت جيوبهم من فنون الثقافة وأنواع العلوم فأرادوا أن ينتشلوا أنفسهم مما هم فيه من مأزق وضحالة قعر فهمهم وضالة علمهم وتضييق الخناق عليهم فأخذوا يروجون لها باستماتة وتمكين متناسين أن الدين شريعة رب العالمين لكافة الناس أجمعين وقاطبة العصور والسنين في جملة الأحكام والقوانين بلا شبهة ومين وأن تسوية الفقه مع غيره من العلوم قياس مع القارق وذريعة كل غارق.

نعم المعهود من الفقهاء الماضين أن ديدنهم اللج في كل علم والغوص في قعر كل فن والتقاط ثماره وبقدر طاقتهم ولو على جهة الإجمال للإلمام من العلوم التي كانت متداولة في عهودهم وإعصارهم ولو بعث جميع أولئك ثانياً من قبورهم لكان أمرهم على ما عرف عنهم لأن المأثور عن نشاطاتهم وثقافتهم العلمية والدينية كما لا يخفى على من تبع سيرهم وتراجمهم في كتب التراجم المتداولة ووقف على آثارهم يبرهن على أن دورهم لم يكن مقصوراً على جانب فكري معين أو اتجاه علمي محدد وإنما كان كل واحد منهم يمثل الدور الأكبر في عهده في توجيه زمام النشاط الفكري والثقافي وكان يمتلك دفة إدارة المجتمع بكافة طبقاته وأفراده بل لم يكن مجال عملهم متقوقعاً في إطار ضيق يدور في دائرة تقليدية اكتسبها ممن تقدمه وقبع عليها تمثل طابعاً تراثياً ودوراً وراثياً عن السلف الماضي تحكى حركاتها وسكناتها ويتزيا بألبستها تحكي دورها من خلال ما ينعكس على تصرفاتها وأدوارها التمثيلية وحكايتها على منطق ولهجة واجتماعية السالفية تماماً